نص المؤتمر السنوي للاتحاد الشيوعي الأممي - ديسمبر 2025

Imprimir
ترجمة

 

 
   

الأزمات، الحروب والبحث عن تحالفات

كتب في8  أكتوبر2025

 

ترجم إلى العربية :

https://www.lutte-ouvriere.org/mensuel/article/crises-guerres-recherches...

 

لم تجد أي من الحربين الكبيرتين الدائرتين اليوم حتى بداية حل خلال السنة المنصرمة.

 

الحرب في أوكرانيا

رغم هيجان ترامب غير المنظم، ورغم لقائه مع بوتين في ألاسكا، تستمر الحرب بين روسيا وأوكرانيا المدعومة من حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهي تشكل كارثة على الشعبين لمجرد طول أمدها ونتائجها المباشرة من تجاوز عدد القتلى عدة مئات الآلاف من كل جانب؛ وتزايد عدد الجرحى وذوي الإعاقات، إضافة إلى تدمير المباني والبنى التحتية؛ ويضاف إليها النتائج غير المباشرة كتراجع الإنتاج في المناطق المنخرطة في القتال وتلك التي تتعرض للقصف؛ وإحلال اقتصاد الحرب؛ ونزوح ملايين الأشخاص سواء في الجانب الأوكراني أو الروسي.

لا بوتين ولا القوى الإمبريالية المتجمعة داخل الناتو مستعجلون لإنهاء الحرب.

فخلال الحرب، تستمر الأعمال التجارية. وأثناء العمليات العسكرية، استمرت عمليات بيع وشراء الممتلكات، مثل الأراضي الزراعية والمصانع والمناجم والبنوك، وذلك غالبا لصالح المستثمرين

وعند نهاية هذه الحرب – نهاية ترجأ باستمرار إلى أجل غير مسمى – ستجد الدولة الأوكرانية، أو على الأقل ما سيبقى تحت السيادة الأوكرانية، نفسها غارقة في الديون حتى العنق. وبحسب صحيفة لوموند (11 يوليو/تموز 2025)، فإن الكلفة المقدرة لإعادة إعمار أوكرانيا خلال العقد القادم تبلغ 524 مليار دولار. والجزء من الأراضي الذي سيبقى خاضعا لها قانونيا سيكون معتمدا بالكامل على الإمبريالية ورؤوس أموالها.

 

لنرفض "الوحدة المقدسة"

في مؤتمرنا لعام 2022، وتحت عنوان «الحرب في أوكرانيا: محطة كبرى في التصعيد نحو حرب عالمية ثالثة»، قمنا بوضع هذا الصراع في سياق انتشـار الحروب عالميا. وقد لخصنا آنذاك، في العريضة أدناه، السياسة التي نقترحها على العمال الواعين:

"إن الحرب في أوكرانيا، التي تواجه فيها القوى الإمبريالية في الناتو روسيا بدم الشعب الأوكراني، وكذلك بدم الشعب الروسي، تهدد العالم كله بانفجار عام. […]
لا يمكن للشعوب أن تضع ثقتها في البرجوازية الإمبريالية وسياسييها وقادتها العسكريين الذين [...] يعدون بشكل منهجي لاندلاع حرب شاملة من خلال تكديس الأسلحة وإخضاع الشعوب. يجب على العمال أن يعارضوا الحرب [...]، بهدف تحويلها إلى حرب أهلية ضد البرجوازية.

يجب على العمال الواعين أن يرفضوا آلية الحرب التي يتم إرساؤها. كما يجب عليهم أن يرفضوا أي شكل من أشكال الوحدة المقدسة خلف برجوازيتهم والدولة التي تدافع عن مصالحها. وعليهم أن يحذروا من الدعايات الصادرة عن الطبقة الحاكمة. فهي دعايات كاذبة بدءا من دعاية الدفاع عن الوطن، في حين أن وراء هذه الكلمات لا يوجد سوى الدفاع عن مصالح الطبقة الرأسمالية والأغنياء."

كما أوضحت مذكرتنا منذ ديسمبر 2022:

" فيما يخص الحرب القائمة في أوروبا، لا ينبغي للعمال أن ينحازوا لا لبوتين ولا لزيلينسكي المدعوم من قبل القوى الإمبريالية. عليهم أن يرفضوا جميع التيارات السياسية للبرجوازية الإمبريالية، سواء تلك التي تتحدث بلهجة حربية صريحة، أو تلك التي تدعي العمل من أجل السلام عبر المفاوضات. إن مصلحة العمال هنا في فرنسا كما في روسيا وأوكرانيا، وفي كل مكان تقلق فيه الجماهير من استعدادات الحرب، هي بأن يتبنوا شعار المناضل الثوري الألماني كارل ليبكنخت : "العدو الأساسي موجود في بلدنا".
وحدها الإطاحة بسلطة البرجوازية وهيمنة الإمبريالية على العالم من شأنها أن تبعد خطر الحرب العالمية، وتضمن العلاقات الأخوية بين الشعوب، وتهيئ الظروف لتعاونها من أجل مصلحة البشرية جمعاء."

في هذا الوقت، وقبل أن يتمكن بوتين من السيطرة على جزء من أوكرانيا يتحدث الروسية إلى حد ما، استغل ترامب ضعف الكرملين وأعلن نفسه «راعي» السلام بين جمهوريتين سوفيتيتين سابقتين وهما أرمينيا وأذربيجان. وهو أمر مر دون أن يلاحظه أحد تقريبا، لكنه يذكرنا بأن انهيار الاتحاد السوفيتي قد ترك العديد من النقاط الساخنة على أراضيه السابقة.

 

حروب الشرق الأوسط

أما الحرب التي تشنها دولة إسرائيل ضد شعوب الشرق الأوسط، فهي قد تجاوزت المئة عام منذ إعلان وزير الخارجية البريطاني بلفور في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، والذي طرح للمرة الأولى فكرة إنشاء دولة يهودية تحت رعاية الإمبريالية التي كانت تعمل على إحلال نفوذها على المنطقة محل الدولة العثمانية التي حكمتها حتى الحرب العالمية الأولى. ومنذ عام 1948، تاريخ إنشاء دولة إسرائيل، يقبل قادتها المتعاقبون لعب دور شرطي لمصالح الإمبريالية ضد شعوب المنطقة.
لا يمكن للدولة العبرية أن تمارس سياستها العدوانية تجاه المنطقة برمتها دون الدعم الثابت للإمبريالية الأميركية، ذلك حتى لو لم تكن مصالحها الخاصة وأهدافها الآنية مطابقة للمصالح وللأهداف الآنية للولايات المتحدة الأميركية.

إن تحركات ماكرون، مصحوبا بقوى إمبريالية أوروبية أخرى وكندا، حول الاعتراف بدولتين في فلسطين، ليست سوى أمر هزلي.
فالإمبرياليتان البريطانية والفرنسية، وهما قوتان استعماريتان سابقتان في المنطقة، قد أبعدتا عنها منذ زمن طويل وتقلص دورهما إلى الرديف للإمبريالية الأميركية!

 

تفكك الهيمنة الفرنسية في إفريقيا

كانت البرجوازية الإمبريالية الفرنسية قد نجحت في البداية في الحفاظ على هيمنتها على إمبراطوريتها الاستعمارية السابقة. لكن هذه الصيغة من بقاء الهيمنة الفرنسية، التي سميت بـ"فرانس أفريك" أي "إفريقيا الفرنسية"، تبدو وكأنها تشارف على النهاية.
إن التنافس بين التكتلات الرأسمالية يشكل أحد محركات تقسيم العالم بين هذه التراستات الكبرى كما بين القوى العظمى. فإذا كانت بعض المواد الأولية سائدة في زمن صعود الاستعمار كالفحم والقطن والفول السوداني والحديد، فقد انضمت إليها منذ ذلك الحين مواد كثيرة أخرى. حتى النفط لم يكن له قبل قرن ونصف المكانة نفسها التي له اليوم.

وكما لاحظ لينين في الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية: "لكن هذا الاقتسام للكرة الأرضية بين قطبين قويين لا يستبعد قطعا اقتساما جديدا، إذا ما تغير ميزان القوى (نتيجة تفاوت التطور، أو الحروب، أو الإفلاسات، إلخ)"

في 26 فبراير/شباط 1885، خلال مؤتمر برلين، لم تكن ثروات اليورانيوم في باطن أرض النيجر، التي بدأت فرنسا بالاستيلاء عليها منذ عام 1890، تثير أطماع بريطانيا أو ألمانيا أو الولايات المتحدة. أما اليوم فالأمر قد تبدل كليا.
إن اكتشاف مواد أولية جديدة، بل وحتى اكتشاف استعمالات جديدة بفضل تقدم العلوم والتقنيات، يعيد إشعال المنافسة بين الإمبرياليات المتنافسة.

منذ فترة طويلة، يعيد رأس المال الأمريكي الكبير طرح مسألة تقسيم أفريقيا الذي نتج عن مؤتمر برلين وما تلاه من نهب. إن تراجع الإمبريالية الفرنسية، وفقدانها التدريجي أو المفاجئ لمناطق نفوذها الاستعمارية السابقة، هو تعبير عن تدهور ميزان القوى بين أوروبا وأميركا. وهذا قد يجعل المنافسة أشد ضراوة ويمنحها تعبيرا عسكريا، وبالتالي يصبح عاملا يزيد الأزمة الاقتصادية حدة.

 

استحالة استقرار العلاقات الدولية

إن المواجهات المتقطعة بين الهند وباكستان حول كشمير تذكر بأن هناك بؤر توتر أخرى كثيرة، وأن أطرافها ليست دولا صغيرة، بل قوى تمتلك وسائل عسكرية هائلة (بما في ذلك القنبلة الذرية!).
إلى جانب عدم الاستقرار الاقتصادي الذي تسببه الأزمة، يضاف عدم الاستقرار السياسي الناتج عن سياسة العقوبات التي ينتهجها ترامب في الولايات المتحدة.
تختلط ضرورات المنافسة الاقتصادية بالضرورات السياسية إلى حد أننا لم نعد نعرف أين تبدأ الأولى وأين تنتهي الثانية.

 

ترامب وصعود الحمائية بشكل عام

تميزت هذه السنة بتصاعد الحمائية. وكان ترامب المبادر والفاعل الرئيسي في هذا التصاعد، على الأقل في مرحلته الحالية.

لا عجب في حمائية الولايات المتحدة. فهي، رغم أنها أصبحت أقوى قوة إمبريالية، لم تتخل أبدا عن استخدام الحمائية كسلاح.

هل من الضروري التذكير بأن حرب المستعمرات الإنجليزية الثلاثة عشر في أمريكا الشمالية ضد بريطانيا العظمى (1775-1782) كانت حربا لحماية نفسها من هيمنة هذه الأخيرة، بل وأبعد من ذلك، لانتزاع الاستقلال الأمريكي؟ إذن لم يكن ترامب بحاجة إلى اختراع هذا النهج.

ترامب نجح في فرض إجراءاته الحمائية. في المقابل، يبدو الأوروبيون في حالة يرثى لها. وهذا ليس من قبيل الصدفة. فدول الاتحاد الأوروبي تتصارع فيما بينها بقدر ما تتصارع مع الولايات المتحدة. وهي تختلق على كل شيء: عمليات شحن الأسلحة، وحتى مسألة الأسلحة المتاحة، وكذلك مشاريع إنتاج طائرة مقاتلة أوروبية، إلخ.

وقد بانت مهزلة قادة الاتحاد الأوروبي خلال مفاوضاتهم مع ترامب في شهر يوليو بشأن الرسوم الجمركية التي كانت الولايات المتحدة تنوي فرضها. إذ وصف قادة الاتحاد الأوروبي رضوخهم لهذه الرسوم بأنه انتصار، قائلين: «صحيح أننا سندفع، لكننا نجحنا في التفاوض على دفع مبلغ أقل مما كان متوقعا!"

إن ترامب يحاول الدفاع عن مصالح البرجوازية الأمريكية. أما بالنسبة للقادة الأوروبيين، فإن المعضلة الأساسية هي في التوصل إلى اتفاق فيما بينهم. في النهاية، تصبح مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة مجرد نقاشات بينهم حول أفضل طريقة للرضوخ للمطالب الأمريكية.

وتجدر الإشارة إلى أن الاحتجاجات الأولى في الولايات المتحدة ضد عدد من الإجراءات التي فرضها ترامب جاءت من كبار الملاك الأمريكيين أنفسهم. فإذا كنت منتجا للبرتقال في كاليفورنيا وفرض حظر على توظيف المهاجرين غير الشرعيين، فإنك لن تكون سعيدا. لدرجة أن البعض تساءل عما إذا كان ترامب قد جن جنونه ليحكم ضد أبناء طبقته.

وفقا لما أوردته صحيفة Les Échos  في 14 و15 و16 أغسطس 2025: «لا تزال شركة بوينغ هي الفائز الأكبر من شد الحبل بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. منذ بدء الهجوم التجاري الشامل الذي شنه ترامب، سمحت الضغوط التي مارستها واشنطن على شركائها التجاريين لشركة بوينغ بتلقي 422 طلبية ووعد شراء، [...] مقابل تخفيف الرسوم الجمركية. وهو رقم من شأنه أن يمنح الرئيس الأمريكي لقب أفضل بائع لبوينغ على مدى التاريخ.

إن سياسة الحمائية التي ينتهجها ترامب تؤدي إلى أن يتخذ جميع ضحاياه إجراءات مماثلة، مما قد يؤدي إلى زعزعة التجارة العالمية بشكل خطير. وقد اتخذ الأوروبيون إجراءاتهم الانتقامية. وأصبحت جميع الدول تنتهج سياسات حمائية دون أن يؤدي ذلك، في الوقت الحالي، إلى كارثة للتجارة العالمية: حيث عنونت صحيفة Les Échos  : "الاقتصاد العالمي يقاوم صدمة الحمائية التي ينتهجها ترامب". وبدأت المقالة بقولها "كان من الممكن أن يكون الوضع أسوأ..."

ترامب يقسو على منافسيه محددا أن من يريد الوصول إلى السوق الأمريكية عليه أن يدفع الثمن. فالرسوم الجمركية المفروضة على القوى الإمبريالية الأخرى تشكل بالطبع عبئا إضافيا وعائقا إضافيا بالنسبة لها.

كما تضمن هذه الرسوم الجمركية التي تحصل عليها الدولة الأمريكية دخلا إضافيا لها. وقد تضاعفت عائدات الجمارك الأمريكية بالفعل، حيث ارتفعت من 90 مليار دولار في عام 2024 إلى 257 مليار دولار خلال الأشهر الأحد عشر الأولى من عام 2025. وهذا يشكل للدولة الأمريكية موارد إضافية لمساعدة شركاتها الرأسمالية والحد من مديونيتها. من ناحية أخرى، لكن هذه الإيرادات لا تقلل سوى قليلا من عجزها المالي الذي بلغ 1780 مليار دولار للسنة المالية المنتهية في 30 سبتمبر 2025.

وبقدر ما أن ضغط المنافسة الأمريكية له تأثير تفكيكي على الوحدة الضئيلة التي يبدو عليها الاتحاد الأوروبي المزعوم، فإن القوى الكبرى الأخرى، خارج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تجد نفسها مضطرة للتفاهم فيما بينها لمواجهة هذا الضغط.

بقدر ما أن ضغط المنافسة الأمريكية له تأثير تفكيكي على الوحدة الضئيلة التي يبدو عليها الاتحاد الأوروبي المزعوم، فإن القوى الكبرى الأخرى، خارج الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تجد نفسها مضطرة للتفاهم فيما بينها لمواجهة هذا الضغط.

وكان من المفترض أن يعبر عن هذه الإرادة القمة الدبلوماسية المرفقة باستعراض عسكري التي جمعت مؤخرا في مدينة تيانجين بين بوتين وشي جين بينغ ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، وإلى جانبهم كيم جونغ-أون (كوريا الشمالية) ونحو عشرين قائدا – معظمهم من آسيا (بما في ذلك إيران). وكما كتبت صحيفة Les Échos : بالنسبة لشي جين بينغ، كانت الصورة النهائية لرؤساء الدول الحاضرين جميلة". وكانت كذاك بالنسبة لبوتين أيضا الذي بدا وكأنه يخرج من عزلة دولية.

وقد جرى في هذه القمة كثير من الحديث عن ”التعاون وحسن النية“ من أجل ”عالم متعدد الأقطاب عادل ومنظم“، أي عالم لا يخضع لسيطرة الولايات المتحدة بقيادة ترامب وحدها.

يمثل هذا التجمع، بلا شك، ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي و40% من سكان العالم. وهذا ما يمنحه وزنا دبلوماسيا معينا. لكن هذا الوزن ليس هو المهم، بل ما يهم هو ميزان القوى الاقتصادية والعسكرية، التي لا يزال في معظمه لصالح الإمبريالية الأمريكية.

إن جميع العراقيل التي يخلقها هذا التصاعد في الحمائية قد تزعزع التجارة العالمية. فمن المعروف أن فترات الازدهار النسبي للاقتصاد الرأسمالي تترجم – بشكل شبه ميكانيكي – بتوسع العولمة وتعمقها.

فعندما تسير الأعمال على ما يرام، تضاعف الشركات الرأسمالية روابطها فيما بينها: تجد عملاء وموردين ومقاولين فرعيين في بلدان أخرى، وتنسج روابط عبر الحدود. إنه نزعة متينة للاقتصاد العالمي.

لذلك، عندما لا تكون الخطابات حول ”السيادة“ مجرد كلمات جوفاء من السياسيين بل تترجم إلى واقع ملموس، فإنها تكون علامة على تحول رجعي للغاية، على عودة إلى الوراء.

ولكننا لسنا في هذه المرحلة، أو لم نصل إليها بعد، فحال التجارة العالمية ليس بهذا السوء. إلا أن الأزمة الاقتصادية لم تبلغ حدها الأقصى بعد.

إن مستقبل البشرية لا يكمن في التجزئة والأسلاك الشائكة، بل في زوال الحدود وإدارة كوكبنا بشكل مشترك من خلال اقتصاد مخطط يخضع لرقابة ديمقراطية من قبل الناس.

...........

ردت الدول على الهجوم الحمائي الذي شنه ترامب بإيجاد مسارات أخرى لمنتجاتها. في مسار مواز، لم تعد روسيا قادرة على بيع النفط والغاز إلى ألمانيا كما في السابق – أو أصبح ذلك أكثر صعوبة – فاتجهت بمبيعاتها إلى الهند، التي أصبحت فجأة مصدرة للنفط والغاز! وأمام الرسوم الجمركية الأمريكية، تضطر الهند الآن إلى التصالح مع الصين، وتقترب القوى الإقليمية الكبرى من بعضها البعض... للصين وسائل للدفاع عن نفسها كما لديها ومواقع قوة. فهي على سبيل المثال ليست قادرة  على استخراج معادنها النادرة فحسب، بل باستطاعتها تحويلها أيضا. وهذا ما يميزها عن العديد من الدول الأخرى الغنية بالموارد، كنيجيريا مثلا التي لا تملك الوسائل لتكرير نفطها...

شكل من أشكال العولمة يصل إلى نهايته، والجديد يتفكك وفقا للتطورات الجيوسياسية.

وعنونت لوموند في 2 أغسطس/آب 2025: «التجارة العالمية تدخل عصرا جديدا»، مضيفة: «بفرض رسوم جمركية على كثير من الشركاء، تتجه الولايات المتحدة نحو منعطف حمائي قوي. وفي بقية العالم، تتجه التجارة نحو التبادل الإقليمي."

وتلخص لوموند: «جدار من الضرائب لم يوجد مثله منذ ثلاثينيات القرن الماضي: إن الرسوم الجمركية التي تفرضها الدولة الأولى اقتصاديا في العالم، والتي كانت تبلغ في المتوسط 2.5٪ قبل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، من المتوقع أن ترتفع إلى حوالي 17٪ في المتوسط.

سيترك الهجوم آثارا على المبادلات العالمية، وتتشكل بالفعل جغرافيا جديدة للتجارة الخارجية الأميركية.» وتضيف: «لغز يمنح الأفضلية للشركات متعددة الجنسيات: فهي تملك وسائل تكييف سلاسل الإمداد عبر مصانعها حول العالم.»

ما يمكن استخلاصه من هذه الأرقام هو أن الاقتصاد الأمريكي يستطيع إلى حد ما أن يجعل منافسيه يتحملون تبعات أزمة الاقتصاد العالمي. لكنه لا يملك القدرة على التخفيف من حدة الأزمة نفسها.

الأزمات هي جزء من آلية الرأسمالية، ومن طبيعتها. فهي تعبر عن التناقض بين الطمع اللامحدود للطبقة الرأسمالية والقيود التي يفرضها السوق.

ويمكننا الاستنتاج أيضا أن هذه القوانين نفسها تسير في اتجاه تكثيف الأرباح لصالح الشركات الأقوى.

ومن المظاهر الأخرى لهذا الأمر هي السيطرة المتزايدة على الحياة الاقتصادية من قبل تكتلات مثل صناديق الاستثمار بلاكستون Blackstone وأبولوApollo  وKKR وبلاكروكBlackRock  ، التي نشأت عن مبادرات حديثة ولكنها جميعها نتاج الحاجة العميقة إلى مركزة رؤوس الأموال.

إن الاقتصاد الرأسمالي في عصر الإمبريالية المتدهورة لا يلغي قوانين الرأسمالية، بل إنه بطريقة ما يقوم بإضفاء الطابع "الاشتراكي" على السباق نحو الربح. فالأصول المدارة لدى بلاكروك وحدها قد وصلت إلى قمم جديدة: 12,528 مليار دولار. إنه تركز غير مسبوق!

كان ماركس وإنجلز يكتبان عام 1848 في "البيان الشيوعي" : تشعرون بالرعب لأننا نريد إلغاء الملكية الخاصة. الملكية الخاصة ملغاة بالنسبة لتسعة أعشار أفراده. ولأنها غير موجودة بالنسبة لهؤلاء التسعة أعشار، فهي موجودة بالنسبة لكم. إنكم تلوموننا لأننا نريد إلغاء شكل من الملكية لا يمكن أن يوجد إلا بشرط أن تحرم الغالبية الساحقة من أي ملكية. باختصار، أنتم تتهموننا بأننا نريد إلغاء ملكيتكم. في الحقيقة، هذا هو بالضبط ما نريده".

 

مخاطر حدوث أزمة مالية

هناك مشكلة أخرى تهدد الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وهي حدوث أزمة مالية جديدة.

منذ أن بدأت الأزمة الاقتصادية بالتفاقم، لم تحدث أي أزمة مالية كبرى، ذات عواقب مماثلة لتلك التي حدثت في عام 1929. غير أنه حدثت عدة أزمات، بعضها أكثر خطورة من البعض الآخر.

كانت أكبر أزمة عام 1929 أكبر أزمة اقتصادية عرفها الرأسمالية حتى الآن. وهي قد بدأت في البورصة قبل أن تتحول إلى أزمة مصرفية ومالية امتدت لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره. وبشكل ملخص لأليتها، فبعد اندلاعاها في الولايات المتحدة، قام الرأسماليون بسحب رؤوس أموالهم من ألمانيا، الأمر الذي أدى إلى انهيار اقتصادي في ألمانيا وتفشي الأزمة.

ما قد يثير الاستغراب هو أن مع الأزمة التي نشهدها لم يحدث شيء من هذا القبيل حتى الآن.

ومع ذلك، الصحافة بدأت تقلق. فقد أعلنت صحيفة  لوموند في 23 أغسطس:  " الذكاء الاصطناعي: الاقتصاديون قلقون من خطر حدوث فقاعة مالية"، وقد لخصت الصحيفة الآلية وراء ذلك بصيغة سؤال : "استثمارات هائلة، وتقييمات بورصوية باهظة، وأرباح قليلة جدا في الوقت الحالي، باستثناء شركة تصنيع الشرائح الإلكترونية إنفيديا Nvidia: هل جنون الذكاء الاصطناعي في طريقه للتحول إلى فقاعة مالية؟"

يمكننا بالفعل الاعتقاد أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى كارثة اقتصادية، كبداية على الأقل. فقد تم استثمار الكثير إما لإنشاء شركات أو لشراء أسهم متعلقة بهذا المجال. المشكلة بالنسبة للمستثمرين هي في تقييم ربحية الذكاء الاصطناعي، ووفقا لإجابتهم على هذا السؤال، يقومون بالشراء أو البيع. في الوقت الحالي، وصلت هذه الظاهرة إلى مستوى جعل الاقتصاديين يقارنونها بما حدث مع فقاعة الإنترنت في بداياتها.

وتقدر المبالغ التي استثمرتها الشركات في تجهيز نفسها بالذكاء الاصطناعي بعشرات المليارات من الدولارات، ولكن في الوقت الحالي، لا يدر كل هذا أي عائد مقارنة بالمبالغ التي تنفق على المضاربة المالية بشكل عام.

فهل ستأتي الأزمة المالية القادمة إذا من الذكاء الاصطناعي أم من أحد أدوات المضاربة المتعددة كالسندات أو قروض الدول الكبرى (خاصة الولايات المتحدة) أو العملات الافتراضية (البيتكوين، إلخ)، والتي جميعها قد تم اختراعها في كل مرة لمحاولة التغلب على الأزمة السابقة؟

من الواضح أننا لا نعرف شيئا عن ذلك. صحيفة  Les Échos الصادرة في 18 و19 يوليو 2025، تؤكد، تحت عنوان "أسبوع كل الأرقام القياسية للبيتكوين : تجاوزت البيتكوين حاجز 120 ألف دولار، ووصلت إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 123153.22 دولارا يوم الاثنين."

بعد كم رقم قياسي من هذا القبيل سيحدث الانهيار؟ أولئك الذين يتكهنون بالبيتكوين لا يمكنهم معرفة ذلك. لكن الانهيار أت لا محالة، كما يقول المثل الذي يعرفه المضاربون جيدا: "الأشجار لا يمكنها أن تصل إلى السماء."

باتريك أرتوس، المستشار الاقتصادي لشركة أوسيام (ناتيكسيس)  Natixis Ossiamوالعضو في جمعية الاقتصاديين، أعرب عن قلقه بهذا الشأن، وذلك على نطاق أوسع، تحت عنوان (في صحيفة Les Échos  الصادرة في 27 أغسطس): "إن حدوث أزمة مالية أمريكية أمر ممكن"، ليعدد أسبابها الممكنة في مقاله "أزمة الدين العام، وأزمة البورصة، وأزمة ميزان المدفوعات".

إذن، البرجوازية والناطقون باسمها قلقون. في عام 1929، كانت المؤسسات المالية هي العامل الناقل للأزمة على نطاق الاقتصاد العالمي. والحمائية لا ”تحمي“ من انتشار الأزمات المالية.

بدون ثورة اشتراكية، وفي الفترة التاريخية القادمة، فإن كارثة تهدد بالانهيار الحضارة بأسرها. الأمر كله يتوقف على البروليتاريا، أي في المقام الأول على طليعتها الثورية. إن الأزمة التاريخية للبشرية تختزل في أزمة القيادة الثورية". هذا ما سطره تروتسكي في البرنامج الانتقالي الذي كتبه في فترة تشبه فترتنا الحالية.

 

ليست الجماهير هي المشكلة. لننظر كيف انتفض الشباب في نيبال مؤخرا، وكيف أحرقوا البرلمان وفتكوا ببعض الوزراء، ذلك قبل أن يستعيد الجيش السيطرة ويشكل حكومة من شخصيات "خرجت من القبعة". وما إن مست الثورة النيبال حتى جاء دور المغرب ومدغشقر

ما افتقده المنتفضون ليس الشجاعة، بل الرؤى السياسية والوسائل لفرضها، أي الحزب الشيوعي الثوري، الحزب العالمي للثورة، الأممية. وهذا ما يجب أن نبنيه.

المشكلة هي نفسها دائما. والحل كذلك. لم تفقد البروليتاريا العالمية شيئا من قوتها العددية ولا من إمكاناتها الثورية. لكن من دون وعي، أي من دون الحزب والأممية لتجسيد هذا الوعي، قد يغرق المستقبل في ماضيه… ولكن بصورة أسوأ.
آفاقنا تبقى كما كانت في زمن البروليتاريا الوليدة، في زمن ماركس. المهمة لم تنجز. وهي ما تزال تنتظر الإنجاز.

 

 

الوضع في الولايات المتحدة

 

في نوفمبر 2024، فاز ترامب بفارق كبير في الانتخابات الرئاسية. في حين حصل على ثلاثة ملايين صوت أكثر من عام 2020، خسرت هاريس ستة ملايين صوت مقارنة بما حصل عليه بايدن – وهو عقاب لا رجعة فيه لسياسة الديمقراطيين. في يناير الماضي، شهدت الولايات المتحدة عودة نفس الملياردير الديماغوجي والمعادي للنساء والكاره للأجانب والفاحش الذي كان في السلطة بين 2017 و2021. ومع ذلك، فقد تغيرت الظروف، ولم تعد السياسة المتبعة هي نفسها تماما. بفضل الـ 77 مليون صوت التي حصل عليها، والأغلبية في مجلس الشيوخ ومجلس النواب وبين حكام الولايات، والمحكمة العليا التي تؤيد آراءه إلى حد كبير، يمكن لساكن البيت الأبيض أن ينفذ سياسته بشكل أكثر صراحة مما كان عليه قبل ثماني سنوات. سنتناول هنا بشكل أساسي سياسته الداخلية وعواقبها.

 

تشديد السلطة المرتبطة باليمين المتطرف

يضم ترامب في محيطه رجالا من اليمين المتطرف، سواء كانوا كذلك منذ فترة طويلة أو انضموا إليه مؤخرا. ويشهد على ذلك التصريحات العنصرية ضد المهاجرين، الذين وصفوا خلال حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024 بأنهم ”حثالة“ و”مجرمون متعطشون للدماء“ و”ذوو جينات سيئة“ و”غير بشر“ و”حيوانات“ و”أعداء من الداخل“ والتحية النازية التي أداها إيلون ماسك خلال حفل تنصيبه، ثم قام بها شخص آخر مقرب من ترامب، هو ستيف بانون، وكذلك العفو الممنوح للأشخاص الذين تمت ملاحقتهم أو إدانتهم لمشاركتهم في اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، أو حتى المسرحية التي أقيمت تكريما للناشط المناهض للإجهاض والمؤيد لتفوق العرق الأبيض تشارلي كيرك، الذي اغتيل في سبتمبر الماضي.

وترافقت هذه الخطابات، على مدار الأشهر، مع زيادة تطرف الإجراءات التي اتخذتها السلطة. في البداية، تعرض الأجانب بشكل خاص لانتقام الحكومة. قامت الأجهزة الفيدرالية بتنظيم عشرات المداهمات المدوية ضد المهاجرين، سواء كانوا غير شرعيين أم لا، في الأحياء أو في الشركات، بينما وقفت وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم أمام سجناء محبوسين في سجن في السلفادور، لتقول لقاعدة ناخبي ترامب إن الإدارة الجديدة تقوم بالعمل القذر الذي وعدت به. تخيف هذه العمليات الاستعراضية العديد من المهاجرين، ولا سيما الذين لا يحملون وثائق، الذين يخشون أن يتم اعتقالهم في أماكن عملهم أو أثناء ذهابهم إليها أو حتى أثناء اصطحاب أطفالهم إلى المدرسة. وهذا هو أحد أهدافها: دفع العمال الأجانب، بمن فيهم أولئك الذين يحملون وثائق، إلى العمل بجهد دون المطالبة بأي شيء. لكن إدارة بايدن كانت قد قامت مسبقا بعمليات ترحيل عديدة، تجاوزها ترامب دون أن يتمكن مع ذلك من معادلة أرقام إدارة أوباما القياسية. لكن المطاردة الحالية للمهاجرين تثني العديد منهم عن القدوم، وتؤدي إلى انخفاض عدد الوافدين إلى حدود الولايات المتحدة.

للمرة الأولى منذ فترة طويلة، يبدو أن عدد الأجانب الموجودين في البلاد قد انخفض قليلا. لكن البرجوازية الأمريكية بحاجة إلى المهاجرين، الذين يبلغ عددهم حوالي 50 مليون شخص، معظمهم من العمال. يمثل المهاجرون 20٪ من القوى العاملة، ونسبة أكبر بكثير في الزراعة والمطاعم والفنادق والبناء، لا سيما في الولايات الأكثر اكتظاظا بالسكان والمناطق السكنية الكبرى. لذلك، على الرغم من تزايد التصريحات والإجراءات الاستعراضية ضد المهاجرين، فمن غير المرجح أن ترغب الإدارة في طردهم من البلاد بشكل جماعي.

على الرغم من قلق الأوساط الفكرية والإعلامية من وحشية ترامب، إلا أنها لا تواجه معارضة قوية من جانبهم. وقد قاومت الصحف حتى الآن محاولات الترهيب من قبل السلطة، لكن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، التي تعتمد مشاريعها الاندماجية على موافقة السلطات الفيدرالية، هي على استعداد للتكيف مع أهواء هذه الأخيرة. كما أن الجامعات الكبرى، التي تعتمد هي الأخرى على التمويل الفيدرالي، قد رضخت أيضا، بالتعهد بإسكات أي دعم للفلسطينيين في حرمها الجامعي. مؤخرا، طلب من جميع الجامعات، العامة والخاصة، التوقيع على تعهد بشأن سياستها في التوظيف، وتنظيم أبحاثها وتعليمها، وحتى تسجيل الطلاب: عليها أن تتخلى عن أي نضال ضد التمييز ضد السود والنساء والمتحولين جنسيا.

وقد حوكم العديد من كبار المسؤولين الذين قاوموا أوامر ترامب، بمن فيهم المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس كومي. كما تم سجن طلاب مؤيدين للفلسطينيين كانوا يحملون تصاريح إقامة، بل ولديهم عائلات في الولايات المتحدة، في حين تم اعتقال محامي أحدهم على الحدود وإجباره على تسليم قائمة بأسماء معارفه إلى الشرطة. ويلاحظ هذا التشدد بشكل خاص على مستوى قوات الشرطة الفيدرالية، التي تشكل أقلية صغيرة من مجموع أفراد الشرطة، لكنه يثير القلق لأن عواقبه يمكن أن تكون مدمرة للضحايا.

أرسلت إدارة ترامب الحرس الوطني إلى عدة مدن ديمقراطية مثل لوس أنجلوس وواشنطن، وتستعد لنشره في مدن أخرى مثل بورتلاند وممفيس ونيويورك وشيكاغو. وإذا كان هذا تطورا في الخصومة السياسية بين ترامب والديمقراطيين، فإن الأسلوب القوي المستخدم ليس بالبسيط. فهذه المدن، التي تضم عددا كبيرا من السكان السود و/أو المهاجرين، والتي تعارض بلدياتها أساليب الشرطة الفيدرالية لمكافحة الهجرة غير الشرعية (ICE)، مستهدفة من قبل ترامب منذ ولايته الأولى. وهو يغامر الآن بإرسال القوات المسلحة إليها، بحجة أنها تستطيع بذلك التدرب على المواجهات الدامية. وفي الجيش، يهاجم ترامب الضباط الذين رفضوا في عام 2020 قمع المظاهرات المناهضة للعنصرية دعما لجورج فلويد، كما يهاجم السود والنساء من بين كبار الضباط بعبارات عنصرية وذكورية.

في الأيام التي أعقبت اغتيال تشارلي كيرك، نظمت السلطة ووكلاؤها حملة سياسية ضد ”اليسار“ وخصومهم بشكل عام. فقد مئات الموظفين وظائفهم بسبب مجرد رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تعرض التجار للترهيب من قبل بلطجية اليمين المتطرف. ورغم أن هذه العملية لم تذهب أبعد من ذلك في الوقت الحالي، إلا أنها تذكرنا بأن حملة مماثلة للمكارثية يمكن أن تنطلق من الأعلى، مع تداعيات لا حصر لها في البلاد. اليوم، لا تحتاج البرجوازية الأمريكية إلى الفاشية أو الديكتاتورية لممارسة سيطرتها على الطبقة العاملة وبشكل أعم على المجتمع بأسره. كما يتضح من ثراء المليارديرات، ونتائج الشركات الكبرى، وارتفاع أسعار الأسهم في البورصة، فإن الطبقة السائدة الأمريكية في حالة جيدة، في حين أن البروليتاريا لا تشكل أي تهديد.

قد يكون ترامب صعب التوقع بعض الشيء، وأقل انسجاما مع نمط المديرين المعتادين الذين يتعاقبون على رأس الدولة، لكنه يقوم بعمله، وسرعان ما أعلن أرباب العمل في وادي السيليكون، الذين كانوا يصورون في الماضي على أنهم «يساريون»، ولاءهم للضيف الجديد في البيت الأبيض. إنهم يتشاركون مع عملاق العقارات ترامب كراهية العمال، وفكرة أن الكثير من المال يذهب إلى المتقاعدين والمرضى والأكثر فقرا، بل وحتى أن بعضهم، مثل إيلون ماسك (تيسلا، إكس، سبيس إكس)، وبيتر ثيل (باي بال)، ولاري إليسون (أوراكل)، يتشاركون معه أفكار العنصرية والكراهية للأجانب وكراهية النساء. الرأسماليون الأمريكيون معتادون على تمويل الحزبين اللذين يتعاقبان على السلطة. على أي حال، فإنهم يجدون مصلحتهم في الإدارة الجديدة.

لا الديمقراطيون، الذين لا يقومون سوى بالإعراب عن استيائهم والدفاع عن مناطق نفوذهم في الولايات والمدن الكبرى التي يسيطرون عليها في انتظار حدوث انفراج انتخابي، ولا قادة النقابات الذين يتعايشون حتى الآن مع ترامب الذي يعمل على تدمير نقابات الموظفين العموميين، بل وحتى يدعمون سياسته الحمائية، كل هؤلاء لا يستطيعون أن يقدموا أي آفاق للعمال الواعين بمصالحهم الطبقية.

في الوقت الحالي، لم يتغير شيء جوهري على صعيد الحريات الديمقراطية. لكن من الواضح أنه، دون حتى أن يتحول النظام إلى حكم استثنائي، يمكن للدولة أن تنفذ سياسة استبدادية، يتم بموجبها، كما كان الحال خلال فترة المكارثية Maccartisme، تكميم أفواه عشرات الآلاف من الأشخاص، ووضعهم على قوائم سوداء أو فصلهم من عملهم، أو حتى سجنهم. اليمين المتطرف له تاريخ طويل في الولايات المتحدة، من كو كلوكس كلان KU KLUX KAN إلى الحملة الفاشية التي قادها تشارلز ليندبيرغ في أواخر الثلاثينيات. ومن المداهمات المعادية للاشتراكية في الحرب العالمية الأولى إلى القضاء على حركة ”بلاك باور“ (القوة السوداء) في أوائل السبعينيات، كان القمع البوليسي والقضائي سمة مميزة لهذا البلد الذي يزعم أنه منارة الحرية. إذا فرضت الظروف ذلك، لا سيما إذا تسببت الأزمة في إفلاس ملايين أصحاب الأعمال الصغيرة أو دفعت ملايين العمال إلى الفقر، كما كان الحال في الثلاثينيات، فقد تجد الحكومة الفيدرالية في البلاد الدعم والقاعدة الاجتماعية اللازمين لتشديد الإجراءات الاستبدادية. عندئذ، لن يكون ترامب، هذا المهرج المتكبر، مضحكا على الإطلاق.

 

أصحاب المليارات مدللون، والعمال مهاجمون

وفيما يتعلق بسياسة ترامب الاقتصادية، فإنها، وإن بدت مختلفة عن سياسات سابقيه بسبب حمائيتها المعلنة، فأنها تتميز على الصعيد الداخلي بقدر كبير من الاستمرارية. بعد عقود من الزمن كانت فيها القوة الإمبريالية الأولى تروج للتجارة الحرة باعتبارها ذات محاسن عديدة، أعلن ترامب عن فرض رسوما جمركية كثيرة وغالبا فاحشة .

وهو يستخدمها لتقليص جزء من العجز الهائل للدولة الفدرالية، المثقلة بديون تصل إلى 38 تريليون دولار، بينما يواصل إغداق المال على الأغنياء، لا سيما من خلال خفض الضرائب.

ومع ذلك، على الرغم من دعايته الشعبوية التي تقول إنه سيعيد ”الوظائف إلى الولايات المتحدة“، لا يمكن لترامب إعادة البيض إلى البيضة بعد صنع العجة : فسلاسل سلسلة الإنتاج التي تشكلت على مر السنين، على سبيل المثال مع كندا والمكسيك، تتطلب عبور الحدود عدة مرات لنقل قطع الغيار ومكونات السيارات أو غيرها من السلع المصنعة. فلن لن تدمر هذه السلاسل ولن تخلق وظائف داخل الولايات المتحدة بدلا من الوظائف الكندية والمكسيكية. في المقابل، فرض ترامب ”صفقات“ على عدد من الدول التي تعتمد على الولايات المتحدة أكثر مما تعتمد الولايات المتحدة عليها. ففرض ضريبة بنسبة 15٪ على غالبية المنتجات القادمة من الاتحاد الأوروبي، الذي لا يستطيع الحيلولة دون فرض هذه الرسوم لأنه منقسم للغاية ويعتمد بشكل كبير على السوق الأمريكية. ويتبقى أن نرى ما الذي سيتم تطبيقه فعليا على المدى الطويل، حيث أن هناك العديد من الاستثناءات، كما كان الحال في ولاية ترامب الأولى. على سبيل المثال، حيث تم فرض رسوم جمركية بنسبة 39٪ على سويسرا... باستثناء الأدوية والذهب.

وعلى الرغم من أن تقلبات ترامب غير المتوقعة تزعج أحيانا الرأسماليين الأمريكيين، إلا أنهم يتفقون إلى حد كبير مع سياسته. فشعار ترامب ”أمريكا أولا“ يعني في الواقع ”الرأسماليون الأمريكيون أولا“. فمؤشر داو جونز في بورصة نيويورك، الذي كان قد تضاعف ثماني مرات منذ عام 2009، قد ارتفع بنسبة 10٪ أخرى في غضون عام واحد، على الرغم من بعض التقلبات التي حدثت عند إعلان ترامب عن الرسوم الجمركية. كما ارتفع عدد أصحاب المليارات بالدولار من 13 في عام 1982 إلى 801 في عام 2024، ثم إلى 901 في عام 2025. وكما هو الحال دائما عندما تتغير قواعد اللعبة في الاقتصاد الرأسمالي، سيكون هناك رابحون وخاسرون، لكن الرأسماليين الأقوى سيتكيفون مع الوضع وسيكون الناجون هم الرابحون.

سياسة ترامب ترضي البعض، مثل بوينغ، وتثير استياء البعض الآخر، مثل فورد، التي تشكو من الرسوم الجمركية ولكنها... تعلن عن نتائج أفضل من المتوقع. وستقوم شركات صناعة السيارات برفع أسعارها من أجل الإبقاء على أرباحها.

أما الطبقة العاملة، فهي تتعرض لهجوم منظم من قبل الإدارة الجديدة.

 ففي الفترة من يناير إلى مايو، قام ماسك وأعوانه، الذين كانوا على رأس قسم الفعالية الحكومية، بإلغاء عشرات الآلاف من الوظائف الفيدرالية. وبحلول نهاية مايو، تم تسريح 59 ألف شخص، في حين غادر عشرات الآلاف آخرون من تلقاء أنفسهم، بينما ظل آخرون مترددين بشأن مصيرهم. كما أن التعطيل الحكومي (أي توقف بعض وظائف الحكومة الفيدرالية بسبب الخلاف في الكونغرس حول الميزانية ورفع سقف الدين) الذي حدث في أكتوبر كان أيضا بمثابة هجوم على مئات الآلاف من موظفي الحكومة الفيدرالية. ولكي تتمكن الحكومة من إغداق الأثرياء الأمريكيين، تقوم الإدارة بفصل الممرضات والموظفين العاملين في مجالات التعليم والمساعدات الإنسانية ودعم الأطفال المهاجرين ومكافحة الأوبئة وغيرها. من ناحية أخرى، فإن التخفيضات في برامج Medicare (التأمين الصحي للمسنين) وMedicaid (التأمين الصحي للفقراء) والضمان الاجتماعي (للكبار في السن) والمساعدات الغذائية تلحق الضرر بملايين الأشخاص من الطبقات الشعبية. ووراء الديماغوجية العنصرية والمعادية للأجانب التي يمارسها ترامب، فإن السياسة المتبعة تثقل كاهل الطبقة العاملة الأمريكية بأسرها.

إن سياسة الفرقة بين العمال الأمريكيين والأجانب تخدم مصالح البرجوازية. فالرسوم الجمركية التي تم فرضها فعليا سيتحملها المستهلكون بشكل أساسي، ودون الحكم مسبقا على ما سيحدث، فإن التضخم قد ارتفع بنسبة 3٪ سنويا في أغسطس الماضي.

عواقب دولية عديدة

إن تولي منصب رئاسة الدولة من قبل شخصية شعبوية تنبذ الأجانب أمر له تأثيره على بقية العالم.

في غزة، حظي نتنياهو على تأييد ترامب، ذلك بعد أن حصل على دعم سلفه بايدن، مستكملا مذبحة الفلسطينيين وسياسته في التطهير العرقي. وفي ألمانيا، خلال الانتخابات البرلمانية، ضاعف حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) المدعوم من الإدارة الأمريكية من عدد أصواته، ليصبح ثاني أكبر حزب في البلاد.

في المملكة المتحدة، يحظى حزب نايجل فاراج، المعادي للأجانب بشعبية متزايدة، وقد تمكن اليمين المتطرف من حشد عشرات الآلاف من الأشخاص في مظاهرات أو تجمعات ضد المهاجرين. وفي هولندا أيضا، يتطلع خيرت فيلدرز، الذي كان بالفعل الحزب الأول في انتخابات عام 2023، إلى الوصول إلى السلطة قريبا. في النمسا، أصبح حزب الحرية النمساوي (FPÖ) الحزب الأول. في البرتغال، حقق حزب Chega اختراقا في مايو، ليصبح ثاني أكبر قوة برلمانية في البلاد. في إيطاليا، أصبحت ميلوني، الناشطة النيوفاشية السابقة، رئيسة وزراء راسخة. وفي فرنسا، يحظى حزب التجمع الوطني (RN)، الذي حصل على 13 مليون صوت في عام 2024، بشعبية متزايدة.

بالطبع، لا يعد أي من هذه النجاحات جديدا تماما، فهي ناتجة عن نفس الأزمة التي أوصلت ترامب إلى السلطة.

لكن ما يحدث في الولايات المتحدة له تداعيات في جميع أنحاء العالم، وتمنح رئاسة ترامب مصداقية لآراء وخطابات اليمين المتطرف في كل مكان.

 في براغ، فاز الملياردير اليميني المتطرف أندريه بابيس في الانتخابات بتقديم نفسه على أنه «ترامب التشيكي». كل حالة مختلفة، وكل حركة من هذه الحركات لها خصائصها الخاصة، لكنها جميعا تشترك في استخدام كراهية الأجانب كورقة انتخابية لخدمة البرجوازية بشكل أفضل.

في إطار النظام الرأسمالي الذي يمر بأزمة، تعيد الولايات المتحدة، القوة الإمبريالية المهيمنة منذ قرن من الزمان، تأكيد قوتها باستمرار، وتسعى إلى إضعاف منافسيها، وتستعد، عند الضرورة، لشن الحرب عليهم، كما نرى في حالة الصين. من أجل السيطرة على العالم، والوصول إلى المواد الخام أو إبعاد المنافسين، فإن الوقاحة والوحشية باتت سائدة. وفي غابة السوق الرأسمالية، من يمتلك أكبر قدر من رأس المال وأكبر عصا يفرض قواعده.

في ظل هذا النظام الذي يمر بأزمة، استخدم رئيس البيت الأبيض سلاح الحمائية في محاولة لتقوية الرأسماليين الأمريكيين. من خلال التهديد بضم قناة بنما وغرينلاند وكندا، وإعلان رسوم جمركية باهظة على دول فقيرة مثل ليسوتو ومدغشقر وفيتنام، ووصف بعضها بـ”الدول القذرة“، والتعامل مع القادة الأجانب باستخفاف، فإن ترامب ليس مجنونا، ولا يعاني فقط من جنون العظمة، بل إنه الوجه البشع للإمبريالية المتعفنة.

 

الشرق الأوسط في عصر الوحشية الإمبريالية

إن حصيلة سنتين من الحرب الإسرائيلية على غزة، المروعة من حيث عدد الأرواح التي أزهقتها والدمار المادي الذي خلفته، تشهد على مدى الوحشية التي يمكن أن يصل إليها النظام الإمبريالي. إن الصراعات في الشرق الأوسط، ولا سيما الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، هي نتيجة لهيمنة القوى العظمى وطريقة تقاسمها للمنطقة بعد نهاية الإمبراطورية العثمانية، من خلال خلق وإثارة الخلافات بين الشعوب. إن الشرق الأوسط، الذي يعتبر استراتيجيا بسبب موارده النفطية وموقعه الجغرافي، قد شكلته الإمبريالية، وقسمته إلى دول متنافسة، وأغرقته في حالة حرب دائمة.

ويقترن المأزق السياسي بمأزق في التنمية الاقتصادية وأزمة اجتماعية حادة تحكم على الغالبية العظمى من السكان بالفقر. كما يؤدي إلى تعزيز الاتجاهات الرجعية، التي تمثلها اليمين واليمين المتطرف الإسرائيليان، وكذلك مختلف الاتجاهات الإسلامية الأصولية. إن المرحلة الجديدة من الحرب التي أشعلتها حماس في 7 أكتوبر 2023، وعملية الإبادة التي قامت بها حكومة نتنياهو ردا على ذلك، هما نتاج هذه الحالة، التي تفاقمت بسبب الأزمة والتوترات العالمية.

فخلف مبرراتها القومية، وكذلك الدينية بشكل متزايد، كانت الصهيونية منذ نشأتها مشروعا استعماريا لم يتمكن من النمو إلا بدعم من الرأسمال الغربي. وكانت خصوصية هذا الاستعمار هي الرغبة في حل محل السكان الفلسطينيين المحليين، حتى لو تطلب ذلك الادعاء بأنهم غير موجودين أو أن عددهم ضئيل. لذلك كان إنكار وجود الشعب الفلسطيني وحقوقه ثابتا في سياسة قادة إسرائيل، منذ إنشاء هذا الدولة وحتى قبل ذلك. في سياق كانت فيه التطلعات إلى التخلص من سيطرة الإمبريالية تتنامى في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ولا سيما بين شعوب البلدان العربية، كان من الطبيعي أن تصطدم القومية الفلسطينية بالآلة الصهيونية. وفي المقابل، لم يكن بإمكان هذا النظام البقاء إلا بفضل دعم القوى الإمبريالية، التي كانت مهتمة بوجود حليف عسكري موثوق به في المنطقة يمكنه تهديد أي نظام يرغب في التخلص من سيطرتها.

 ولم تستمر هذه الحالة غير المستقرة إلا بفضل الحروب المتتالية التي شنتها إسرائيل على الدول العربية، وبشكل أكثر تحديدا على الفلسطينيين أو حتى إيران. وبعد أن أصبحت بذلك الذراع المسلح للإمبريالية في قلب الشرق الأوسط، استغلت الدولة العبرية قوتها لتوسيع وجودها الإقليمي ومواصلة الاستعمار، مما جعل الشعب الفلسطيني شعبا من اللاجئين، محشورين في المخيمات والأحياء الفقيرة في الضفة الغربية وغزة أو البلدان العربية المجاورة. أمام المحاولات المتتالية للشعب الفلسطيني ومنظماته للتخلص من وصاية إسرائيل، لم يرد القادة الإسرائيليون المتعاقبون، الذين أصبحوا أكثر يمينية، إلا بإنكار حقوقهم. إن قوة إسرائيل العسكرية، التي تستفيد من الدعم الإمبريالي، تسمح لها بالتفكير في الاستمرار في شن الحرب على دول وشعوب المنطقة، على الأقل طالما أن الشعب الإسرائيلي يقبل بدعم هذه السياسة.

إن الحرب على غزة ليست سوى استمرار لهذا الهروب إلى الأمام من قبل القادة الإسرائيليين. إن هدفها المعلن، وهو القضاء التام على حماس، سرعان ما تحول إلى محاولة لإبادة الشعب الفلسطيني. وهذا هو الاستمرار المنطقي للمشروع الصهيوني الذي، بإنكاره لواقع هذا الشعب، يصل إلى حد الرغبة في القضاء عليه فعليا. في مواجهة إرادة الفلسطينيين في الاستمرار في العيش حيث هم، تثبت هذه السياسة مرة أخرى أنها طريق مسدود. فكلما طالت هذه الحرب مع ما ترافقها من فظائع، زاد عدد المقاتلين في الجانب الفلسطيني الذين سينضمون عاجلا أم آجلا إلى منظمة مثل حماس أو غيرها، سعيا إلى الوقوف في وجه الظلم الذي يتعرضون له. إن هذه السياسة لا تقدم للشعب الإسرائيلي مستقبلا سوى التعبئة وراء جيشه لمواصلة قمع شعب مجاور. بإعلانه أن إسرائيل يجب أن تصبح نوعا من "إسبرطة عظمى"، أشار نتنياهو بوضوح إلى هذا المستقبل:  مجتمع عسكري منضبط ومستعد للحرب الدائمة.

إن هروب نتنياهو إلى الأمام له منطق يتجاوز المشكلة الفلسطينية وحدها، التي أصبحت بالضرورة مشكلة إقليمية. فهي أدت مرة أخرى إلى هجوم عسكري على لبنان، بحجة سحق حزب الله الذي أكد تضامنه مع حماس عبر إطلاق الصواريخ. كما أدت إلى قصف إيران، التي قدمت على أنها العدو الرئيسي لإسرائيل. وقد أدى إضعاف حماس وحزب الله إلى تسريع انهيار نظام بشار الأسد في سوريا، مما أتاح للجيش الإسرائيلي فرصة مهاجمة هذا البلد وتدمير بنيته التحتية العسكرية واحتلال أجزاء جديدة من أراضيه. وأضيف إلى ذلك القصف على اليمن، ضد الحوثيين الذين أبدوا تضامنهم مع حماس أيضا بإطلاقهم بعض الصواريخ على إسرائيل، وأخيرا، في الآونة الأخيرة، تم قصف الدوحة في قطر، بحجة أن هذا البلد كان يستضيف اجتماعا لقادة حماس الذين كانوا منخرطين في مناقشة اتفاق لوقف إطلاق النار.

لم يتمكن القادة الإسرائيليون من تنفيذ هذه السياسة إلا لأنهم يحظون بدعم قادة الدول الإمبريالية، ولا سيما الولايات المتحدة، التي لا يقتصر هدفها الدائم على إضعاف إيران وجميع من يبدو أنهم حلفاؤها، بل يمتد بشكل أعم إلى تهديد أي دولة أو تنظيم يرغب في التخلص من سيطرتها.

 وهذا ما يسمح للقادة الإسرائيليين بالتصرف كقادة قوة استعمارية ترغب في السيطرة على الشرق الأوسط بأسره من خلال إخضاع الدول المجاورة.

لكن هذه السياسة لها حدود، وما وراءها قد لا تتوافق مع سياسة الولايات المتحدة. فهناك دول أخرى تطمح إلى أن تصبح القوة المهيمنة في المنطقة، وتنافس بعضها بعضا على ذلك.

 ففيما يتعلق بإيران، تواجه طموحات إسرائيل حاليا معارضة من قبل الولايات المتحدة، لكن هذا لا يستبعد بعض أشكال التعاون. فقد كانت إيران لفترة طويلة الدولة المفضلة لدى الولايات المتحدة في عهد الشاه. كما هو الحال أيضا بالنسبة للسعودية وتركيا، اللتين تحظيان بدعم الإمارات. إن اهتمام هذه الدول بمصير الفلسطينيين لا يزيد عن اهتمامها بمصير شعوبها، ولكنها تشعر بالقلق إزاء مساعي إسرائيل لفرض سيطرتها على المنطقة بأسرها بفضل قوتها العسكرية ودعم الولايات المتحدة، في حين أن دول الخليج وتركيا هي أيضا حلفاء هذه الأخيرة.

في هذا السياق، إن قوة إمبريالية من الدرجة الثانية مثل فرنسا، في سعيها للتمييز عن السياسة الأمريكية، ترى في ذلك فرصة لتقرب نفسها من هذه البلدان العربية وتحفيز مصالح رأسمالييها فيها. إن عودة فرنسا إلى سياسة ”مؤيدة للعرب“ واعتراف ماكرون بالدولة الفلسطينية ليس لهما أي مضمون آخر.

 لم يكن الغرض من طرح حل «الدولتين» في الماضي سوى محاولة إقناع الفلسطينيين بالصبر بينما يستمر الاحتلال والاستعمار. وقد يكون الأمر كذلك في المستقبل، حتى لو بدا هذا الحل أبعد منالا وأكثر استحالة، ويريد ماكرون وقادة آخرون تذكير ترامب بفائدة الحفاظ على هذه الوهم.

إن الحرص على إعادة بعض التوازن بين القوى المتنافسة في الشرق الأوسط هو ما يكمن وراء "خطة السلام" التي قدمها ترامب في نهاية سبتمبر.

 وبعد التخلي عن مشروع تحويل غزة إلى «ريفييرا» من خلال طرد الفلسطينيين منها بالكامل، يرسم المخطط ملامح منطقة محمية تديرها إسرائيل والدول العربية، ولا سيما السعودية والإمارات، حيث يمكن إعادة الإعمار الجزئي بتمويل من هاتين الدولتين وتحت إشراف غربي.

 وهكذا، فإن الإمبريالية، غير قادرة على التغلب على التناقضات التي خلقتها هي نفسها، لا تجد وسيلة أخرى لإدارة المنطقة سوى العودة إلى شكل من أشكال الاستعمار المباشر. وإذا تم التوصل إلى مثل هذا التسوية، فإنها قد ترضي الأنظمة العربية.

أما بالنسبة لسكان غزة، فحتى لو وفرت لهم بعض الراحة، فإنها لن تكون حلا لهم. ولن تكون حلا لسكان الضفة الغربية، ولا حتى للشعب الإسرائيلي. فمن خلال الاستمرار في إنكار الحقوق الأساسية للفلسطينيين، وتشجيع استمرار الاستيطان، لن تكون هذه التسوية سوى مؤقتة، قبل أن تؤدي إلى صراعات جديدة.

كما أن هذا الواقف يدل على فشل سياسة القوميين الفلسطينيين، سواء تلك التي تنتهجها السلطة الفلسطينية أو حماس. الأولى، وهي محاولة التعاون مع القادة الإسرائيليين والأمريكيين، لم تؤد إلا إلى إضعاف السلطة الفلسطينية تدريجيا وتشويه سمعتها. أما الثانية، التي لا يزال هجوم 7 أكتوبر 2023 أبرز أحداثها، فقد سعت إلى أن تكون أكثر راديكالية وعززت شعبية حماس لدى السكان الفلسطينيين. لكنها، وإن كانت قد أعادت تسليط الضوء على القضية الفلسطينية التي نجح النظام الإسرائيلي والقادة الإمبرياليون وحتى قادة الدول العربية في إغفالها، فقد فعلت ذلك بأسوأ طريقة ممكنة.

فعملية الذبح العشوائي لأكثر من ألف إسرائيلي في ذلك اليوم وأسلوب أخذ الرهائن لم تكن فقط أسلوب وحشي من الناحية الإنسانية، بل ساعدت أيضا الحكومة الإسرائيلية لإيجاد الدعم الداخلي لمواصلة سياسة إبادة الفلسطينيين. فبفضل هذه العملية تمكنت حكومة نتنياهو، التي كانت حتى ذلك الحين تواجه معارضة شعبية واسعة، من تكوين اتحاد وطني حولها وإقناع الشعب الإسرائيلي بشن حرب شاملة ضد الفلسطينيين الذين تم تصويرهم على أنهم إرهابيون، وبدء عملية التطهير العرقي التي طالما رغب فيها اليمين المتطرف المؤيد لـ «إسرائيل الكبرى».

إذا كان من الطبيعي على الثوريين البروليتاريين أن يؤكدوا تضامنهم الكامل مع الشعب الفلسطيني، وأن يتمنوا هزيمة النظام الإسرائيلي أو على الأقل انسحابه من الأراضي المحتلة، فإنهم لا يمكن أن يتضامنوا مع سياسة القادة الفلسطينيين. فهذه السياسة القومية البرجوازية لم تؤد إلا إلى إخفاقات متتالية ودفع شعبهم ثمنها غاليا بسببها. الأمر الذي يدل في الواقع على ازدراء هؤلاء القادة لشعبهم.

وحتى لو تمكن هؤلاء القادة في النهاية من إيجاد المكانة التي يبحثون عنها كممثلين سياسيين للبرجوازية الفلسطينية، فإنها لن تكون سوى المكانة التي سيسمح لهم بها القادة الإمبرياليون والإسرائيليون والعرب. وفي ظل الصراع الدائر في الشرق الأوسط، سيكون هذا المكان محدودا للغاية، ولا يختلف كثيرا عن المكان الذي أعطي للسلطة الفلسطينية الحالية منذ اتفاقات أوسلو. وقد يرضي هذا المكان على الأكثر الشخصيات البارزة من المنظمات القومية أو حتى من حماس وطبقة من البرجوازيين المستعدين للقيام بأعمال تجارية حتى في ظل الفقر العام، ولكنه بالتأكيد لن يرضي غالبية السكان الفقراء والبروليتاريا.

كما أن احتمال الحرب الدائمة والنظام الاستبدادي الذي أعلنه نتنياهو لن يحقق رضا الشعب الإسرائيلي. إن العدد المتزايد من الاحتياطيين الذين يرفضون التجنيد، حتى لو كانوا أقلية صغيرة، وكذلك المظاهرات الأوسع نطاقا ضد استمرار الحرب، هي علامات على انقسام قد يتسع. لم يدم نظام إسبرطة للأزل، ولا نظام النازية، ولن يكون لنظام نتنياهو واليمين المتطرف الإسرائيلي، الذي يزداد استبدادا، أي مستقبل أيضا.

بالنسبة للطبقات الشعبية، وللعمال في الشرق الأوسط، لا يمكن أن يكون هناك أمل إلا في النضال من أجل إسقاط الأنظمة القائمة، ولا سيما النظام الإسرائيلي، ولكن أيضا الأنظمة الأخرى. فجميع أجهزة الدولة التي تتقاسم المنطقة تشكل عدوا لهذه الشعوب. وإذا ما كانت هذه الأنظمة مسلحة لقتال بعضها البعض، فإنها مسلحة في المقام الأول للحكم والحفاظ على ديكتاتورية الطبقات الحاكمة، بل وأبعد من ذلك، للحفاظ على هيمنة الإمبريالية. والامر نفسه ينطبق على أجهزة مثل السلطة الفلسطينية وحماس، اللتين تسعيان إلى القيام بهذا الدور وهما تمارسان جزءا منه بالفعل. إن على العمال والطبقات الشعبية في الشرق الأوسط أن يبنوا سلطتهم الخاصة، متغلبين على الخلافات الوطنية والطائفية والدينية، وذلك ضد كل أجهزة القمع القائمة في كل دول المنطقة. وحدها الأحزاب البروليتارية والشيوعية والدولية هي التي تستطيع أن تضع مثل هذا الهدف في المقدمة.

 

أوكرانيا وروسيا: حرب لا تنتهي

في بداية الخريف، بعد أن قدم ترامب دعما قويا لبوتين ضد زيلينسكي فيما قدم على أنه محادثات لإنهاء الصراع في أوكرانيا، انقلب ترامب على الموقف الذي كان يتبناه عند عودته إلى سدة الحكم. فقد أعرب ترامب عن "خيبة أمله" لأن بوتين لا يسارع إلى إبرام السلام بالشروط التي صادق عليها البيت الأبيض، ولم يعد يستبعد فوز أوكرانيا. لقد نسي ترامب تفاخره عندما كان يدعي أنه سيوقف إطلاق النار في غضون 24 ساعة“!

ومع ذلك، فإن هذا التقلب الأخير من جانب ترامب لا يضع موضع تساؤل التغيير في السياسة الخارجية الأمريكية الذي بدأته الإدارة الحالية. دون العودة إلى أوباما، الذي كان أول من فكر في ذلك، يريد ترامب وحكومته أن تنسحب الولايات المتحدة عسكريا من أوروبا، من أجل تركيز قوتها على مواجهة مقبلة مع الصين.

هل يعني ذلك إنهاء الحرب في أوكرانيا أم مجرد تجميدها مثل العديد من الحروب الأخرى في أنحاء العالم التي ظلت ”نقاط ساخنة“ منذ عقود؟

ومع ذلك، لم ينتظر بوتين تصريحات ترامب الأخيرة ليلاحظ أن الإمبريالية الأمريكية قد خرجت بالفعل منتصرة من الصراع الأوكراني. وحتى دون الحاجة إلى توقيع اتفاق سلام، حققت أمريكا بقيادة ترامب مكاسب حربية كبيرة في المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والجيوستراتيجية، وذلك أحيانا على حساب موسكو في منطقة نفوذها الخاصة في الاتحاد السوفيتي السابق.

حتى عندما بدت واشنطن منفتحة على مطالب موسكو – كإبرام اتفاق يقر بضم شبه جزيرة القرم وأربع مناطق في شرق وجنوب أوكرانيا، فضلا عن عدم انضمام الأراضي التي ستمنح لكييف إلى حلف شمال الأطلسي – ظلت هذه الـ«تقدمات» افتراضية طالما لم يتم توقيع أي اتفاق. علاوة على ذلك، سمحت واشنطن لحلفائها في حلف شمال الأطلسي بتشكيل «تحالف متطوعين» يهدد روسيا، حيث تعهدوا، في حالة تسوية النزاع، بالدفاع عن أوكرانيا «برا وبحرا وجوا» وحتى بإرسال جنود فرنسيين وبريطانيين إليها.

في بداية هذا العام في روسيا، كان العديد من البيروقراطيين والأوليغارشيين يعتقدون أنهم سيصبحون «شركاء» لأمريكا. وكانوا يحلمون بفوائد استئناف العلاقات مع الغرب، إن لم يكن إعادة اندماج روسيا في العالم الرأسمالي. لكنهم سرعان ما خاب أملهم.

أدرك بوتين أن ”صفقة“ ترامب، التي تبدو في ظاهرها مغرية، هي في الواقع صفقة خادعة لنظامه ولأثرياء روسيا. وتذكرنا الأحداث الأخيرة بأن هذه ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك.

ففي عام 1989، وعدت الأطراف الأمريكية التي تفاوضت مع غورباتشوف بأن حلف الناتو لن يتقدم ”شبر واحدة“ نحو الشرق؛ ومنذ ذلك الحين، لم تنفك قواعده تحيط بروسيا. ومع دخول أوكرانيا في المدار الغربي، أصبحت الحرب حتمية. في عام 2015، عندما كانت الحرب محصورة في الدونباس، كانت اتفاقات مينسك ورعاتها، هولاند وميركل، قد قامت بتضليل بوتين، كي يتمكن حلف الناتو من إعادة تسليح أوكرانيا. في فبراير 2022، ومع احتمال انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، امتدت الحرب إلى جميع أنحاء البلاد.

وفي الآونة الأخيرة، كثف بوتين ضغوطه العسكرية على أوكرانيا. فهل يأمل في انهيار الجيش الأوكراني؟ أم أنه يسعى لاحتلال أكبر مساحة ممكنة من الأراضي؟ إن غزو كل بلدة جديدة يؤدي، فضلا عن تدمير المساكن والبنى التحتية، إلى مقتل المئات من السكان والعسكريين الأوكرانيين، وحتى أكثر من ذلك في صفوف الجنود الروس، الذين يرسلهم ضباطهم إلى المذبح بهدف الضغط على دفاعات الخصم.

وخلال التصعيد الحربي لحلف الناتو على حساب أرواح الجنود والمدنيين في أوكرانيا، فإن الهروب إلى الأمام الذي يقوم به الكرملين يستجيب أيضا لاعتبارات داخلية في روسيا.

فمع ان الاقتصاد الروسي لم ينهار، بعكس توقعات القادة الغربيين الذين برروا بهذا الهدف فرض العقوبات على روسيا، إلا أن هذا الاقتصاد بات يعاني من الحرب بطرق عديدة وبشكل متزايد.

إذ أن إعطاء الأولوية لصناعات الأسلحة قد استنزف الموارد المالية والمادية والبشرية على حساب القطاعات الأخرى. ومن أجل توفير المزيد من الموارد لميزانية عسكرية تستهلك نصف الإنفاق العام، تلجأ الدولة الروسية إلى طباعة النقود. لدرجة أن التضخم، الذي قد يصل إلى 22٪، يهدد بشل الاقتصاد، كما حذر محافظ البنك المركزي.

لا يمكن التسامح مع ذلك تحت أي ظرف من الظروف، هكذا صرخ بوتين، الذي يدرك جيدا الآثار الرهيبة التي قد يتركها هذا التضخم على النظام وعلى سلطته. من المؤكد أن الحرب تجبر البيروقراطيين والأوليغارشيين على توحيد صفوفهم. لكن في عام 2023، كشف تمرد بريغوجين ومرتزقة فاغنر عن ثغرات في البنية، بما في ذلك البنية العسكرية، لسلطة كانت تريد أن تكون متجانسة.

على الرغم من الآثار المدمرة لحرب أسفرت عما يقرب من مليون ضحية بين قتلى وجرحى ومعاقين في روسيا وحدها، والتي حشدت 700 ألف جندي روسي على الجبهة، وتسببت في نفي مليونين من الكوادر والمقاولين والشباب الخريجين الفارين من التجنيد، نجحت السلطة الروسية حتى الآن في تجنب انفجار الاحتجاجات الاجتماعية.

يقول النظام إنه يجب أن يجد 40 ألف رجل شهريا لتعويض الخسائر في القتال. ولتحقيق ذلك، يلجأ النظام في المناطق المحرومة والطبقات الاجتماعية الأكثر فقرا إلى إغراء المجندين الجدد بعقود ومكافآت تمثل في مجموعها سنوات من متوسط رواتبهم. تقبل السلطة دفع هذا الأجر البائس، والموت، لضمان السلام المدني، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى طمأنة بقية السكان بأن الحرب لن تمسهم.

حتى الآن، لم تر السلطة أن من مصلحتها وقف الحرب لأن الاقتصاد بدا منتعشا بفضل الطلبات من القطاع الصناعي العسكري. علاوة على ذلك، ربما يكون لدى قمة البيروقراطية وبوتين على وجه الخصوص أسباب للخوف من رد فعل عنيف إذا انتهت الحرب دون أن يتمكنوا من إقناع السكان بأن ”الوطن“ خرج منها أقوى.

من أجل ”تمويل دفاع روسيا وأمنها”، أعلنت الحكومة مؤخرا عن زيادة الضريبة الرئيسية، وهي ضريبة القيمة المضافة. سيؤثر ذلك في المقام الأول على الفقراء (يعيش أكثر من 8٪ من الروس بالفعل تحت خط الفقر) الذين سيضطرون إلى تقييد استهلاكهم. وسيؤدي ذلك إلى تحفيز التضخم والتأثير على سير الاقتصاد برمته.

وهذا قد يزيد من عدد الناس المستائين. لكن هذا النظام البوليسي قادر على قمعهم كما يفعل مع 1600 سجين و3000 متهم لأسباب سياسية في روسيا في عام 2025.

في أوكرانيا، قام زيلينسكي هذا الصيف بمناشدة داعميه الأوروبيين لمساعدته بشكل مباشر في زيادة رواتب العسكريين وعقود المجندين. وهذا يعطي فكرة عن استنفاد موارد الدولة الأوكرانية المالية، التي يدعمها الغرب، الذي يجد فيها مبررا لاسترداد أمواله من خلال نهب ثروات البلاد.

كما يسلط هذا الضوء على مدى صعوبة كيييف في التزود بالجنود. فقد فر ملايين الأوكرانيين من البلاد هربا من التجنيد العسكري والموت المحتمل. والآن، بعد أن أصبح مسموحا لهم بالسفر إلى الخارج، يغادر الكثير من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عاما. وتعبر الهيئات الإدارية علنا عن قلقها من النقص المتزايد في اليد العاملة، خاصة في قطاع الخدمات. كما أن نقص اليد العاملة يؤثر على الزراعة، وهي قطاع تصديري كبير، لأن الجيش قد حشد مليون فلاح للقتال في الحرب.

ومن بين الرجال الذين لم يتمكنوا من الفرار، تتزايد حالات الفرار من الخدمة العسكرية ورفض الالتحاق بمراكز التجنيد. وتتزايد التقارير عن حالات يطلق فيها حرس الحدود النار على الأشخاص الذين يحاولون الخروج من البلاد بشكل غير قانوني، مما يؤدي إلى إصابتهم أو مقتلهم في بعض الأحيان. وتندلع اشتباكات عنيفة بين موظفي مراكز التجنيد والأشخاص الذين يقومون بتفتيشهم في الشوارع أو في الشركات: ففي بعض الأحيان، يمنع المارة أو الزملاء رجال الأمن من القبض على ضحاياهم، ويحررونهم من الحافلات العسكرية أو المعسكرات، ويتم إحراق مراكز التجنيد.

ليس لدينا أي وسيلة لمعرفة إلى أي مدى يعكس ذلك حالة الرأي العام الأوكراني، لكن هذه الحقائق تتطابق مع ما تظهره أحدث استطلاعات الرأي: جزء كبير من السكان لا يتطلع إلا إلى إبرام اتفاق لوقف إطلاق النار في أسرع وقت ممكن، بما في ذلك قبول التنازل عن أراض.

وهذا ما لا تريده السلطات الأوكرانية بأي حال من الأحوال. منذ أحداث ميدان في عام 2014، جعلت الحكومة الدفاع عن سلامة أراضي أوكرانيا محور سياستها. وهكذا تبرر الحكومة انحيازها غير المشروط إلى الإمبريالية الأمريكية، وفي نهاية المطاف، كل التضحيات البشرية والاجتماعية والاقتصادية التي فرضتها على شعبها.

ومن بين هذه التضحيات تفكيك ما تبقى من الحماية الاجتماعية وحقوق العمل الموروثة من الحقبة السوفياتية، وقمع النقابات العمالية التي لم تكن أبدا راديكالية، وحظر وقمع المنظمات السياسية التي تدعي ارتباطها بشكل مباشر أو غير مباشر بالاشتراكية والشيوعية ونضال الطبقة العاملة، كل ذلك تحت غطاء الأحكام العرفية.

زيلينسكي، الذي وصفه القادة ووسائل الإعلام الغربية بأنه المدافع الشجاع عن الديمقراطية، هذا الممثل الذي أصبح رئيسا (وقد دفع به في الواقع أحد كبار الأوليغارشيين الفاسدين)، كان العقل المدبر لسحق حتى أبسط حقوق الطبقة العاملة والسكان بشكل عام. والتزامه بحرب، يزعم أنها دفاع وطني، لكنها كانت مرسومة ومعدة ومحتومة بفعل سياسة الإمبريالية الرامية إلى تقليص نفوذ روسيا بشكل متزايد.

وبعد أن رأت الإمبريالية الأمريكية أنها قد حققت أهدافها - الاستيلاء على مصادر جديدة للثروة وإضعاف القوة الروسية - شعرت واشنطن أنها في وضع يسمح لها بالتعامل بقدر أقل من الاحترام مع حليفها الأوكراني الذي لم يكن سوى بيدق في لعبتها.

مؤخرا، كان هناك حديث عن إيجاد بديل لزيلينسكي، أقل استهلاكا وأكثر خضوعا للإمبريالية إن أمكن. بعد أن «اكتشفت» بريطانيا أنه كان عليها إجراء انتخابات رئاسية منذ أكثر من عام، اقترحت تنظيم الانتخابات. وقد برز اسم واحد كمرشح: رئيس الأركان السابق زالوجني، الذي أصبح سفيرا لأوكرانيا في لندن.

سواء تم تأجيل هذه الانتخابات أم لا، فمن الواضح أن استبدال قائد حرب فقد شعبيته بجنرال يزعم أنه يتمتع بشعبية سببها الأرجح إقالة الأول له ، لن يغير شيئا جوهريا في مسار الحرب ولا سيما في مصير الشعب الأوكراني.

في أوكرانيا، كما في روسيا، وبشكل أعم في كل مكان آخر، لا يتعلق الأمر بمعرفة من سيتولى رئاسة الدولة في سبيل خدمة الطبقات المالكة والمهيمنة، وبالتالي لمهاجمة الطبقات المستغلة وزجها في الحروب. بل إنها تتمثل في بذل كل جهد ممكن لكي ينظر العمال في كل بلد إلى المضطهدين على الجانب الآخر من الحدود ليس كأعداء، بل كحلفاء. كإخوانهم وأخواتهم في الطبقة العاملة في النضال من أجل الإطاحة بالنظام الرأسمالي العالمي وأنصاره الوطنيين، ولكن أيضا من أجل إنشاء الأحزاب العمالية الشيوعية الثورية الضرورية لتدمير هذا النظام العالمي الذي يقود الكوكب إلى الحرب العالمية الثالثة. وبالتالي إلى انتصار الثورة الاجتماعية التي ستفتح أخيرا الطريق أمام البشرية لمستقبل خال من الحروب والاستغلال والقمع، مستقبل اشتراكي وشيوعي.

8  أكتوبر 2025

مصدر النص: https://www.union-communiste.org/ar/lnsws-bllg-lrby