الحرب في أوكرانيا: خطوة جديدة نحو حرب شاملة؟ - مارس 2022

Drucken
ترجمة

الحرب في أوكرانيا: خطوة جديدة نحو حرب شاملة؟

من شهرية النضال الطبقي العدد 223 ، أبريل 2022

يكرر القادة الأوروبيون والأمريكيون، وهم يزيدون شحنات الأسلحة الموجهة إلى أوكرانيا ويمجدون بمقاومة سكانها، "أنه ليس من الوارد نشر قوات حلف شمال الأطلسي(الناتو) أو طائراته في أوكرانيا". إن هؤلاء المسؤولين المباشرين عن الدوامة التي أدت إلى غزو بوتين لأوكرانيا يريدون تجنب حرب مباشرة ضد روسيا. ومع ذلك، فإن لو لم تبدأ الحرب العالمية التالية بعد، فإن حدوثها مكتوب في جينات الرأسمالية وقد اقتربت البشرية منها قليلا. في المجال العسكري كما في مجال التجنيد الأخلاقي للسكان، أصبحت الحرب في أوكرانيا بمثابة بروفة وهي في الوقت نفسه تؤدي إلى تفاقم كل تناقضات هذا النظام الاجتماعي غير العادل.

اللعبة الأمريكية الكبرى ضد روسيا مستخدمة لحم الأوكرانيين

ربما كان قرار بوتين بشن الغزو الدموي لأوكرانيا الشقيقة في 24 فبراير قد فاجأ الجميع، وصولا للجنرالات الأوروبيين الأكثر اطلاعا. ومع ذلك، من الصعب أن يدعي القادة الغربيون بأن قرار الغزو هذا جاء جراء نزوة بوتينية. فبوتين الذي كان قد أعاد بناء دولة روسية القوية بعد عقد من التفكك تحت حكم يلتسين، الأمر الذي خدم مصالح البيروقراطيين والأوليغارشيين الذين تعهدوا بالولاء له، لطالما قد شجب، منذ سنوات، اللعبة المزدوجة للقادة الإمبرياليين. فكما أعلن بوتين في 18 مارس 2014 في خطاب تبريري لضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا: "لقد كذبوا علينا عدة مرات، واتخذوا قرارات من وراء ظهورنا ليضعونا بعدها تحت الأمر الواقع. هذا ما حدث، على سبيل المثال، مع توسع الناتو نحو الشرق وكذلك مع نشر البنى التحتية العسكرية على حدودنا". في خطابه هذ، كان بوتين يشير بشكل خاص إلى وعود وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر لميخائيل جورباتشوف في فبراير 1990 في موسكو، خلال المناقشات حول إعادة توحيد ألمانيا، عندما قال: "لن تمتد الولاية العسكرية الحالية للناتو أي شبر نحو الشرق."

لكن سرعان ما فكست الولايات المتحدة هذا الالتزام. فأمام ضعف يلتسين السياسي والأزمة الاقتصادية في روسيا، وكذلك مطالب الحكومات الجديدة في دول أوروبا الشرقية، استغلت الولايات المتحدة الفرصة لأطلاق، منذ عام 1997، عملية منح العضوية في الناتو لستة من دول الاتحاد السوفييتي السابق، وثلاث من دول البلطيق. بعد عام 2001، وتحت غطاء الحرب في أفغانستان، أقامت الولايات المتحدة قواعد عسكرية دائمة في أوزبكستان وقيرغيزستان، وقواعد عسكرية مؤقتة في طاجيكستان وكازاخستان. كما مكنتهم ثورات عامي 2003-2004، والتي سميت بالثورات الملونة، من الحصول على موطئ قدم في جورجيا وأوكرانيا.

وفي شباط / فبراير 2014، تمت الإطاحة بالرئيس الأوكراني الموالي لروسيا يانوكوفيتش، وذلك بعد احتلال العديد من المتظاهرين لساحة الميدان في وسط كييف، والذين، على تنوعهم، كانوا محاطين من قبل سياسيين رجعيين وينالون نصائح وتمويل ممثلي ألمانيا والولايات المتحدة، مع وجود واضح للجماعات اليمينية المتطرفة. فعزز ذلك مكانة الولايات المتحدة في أوكرانيا. وشكلت التصريحات والتدابير المعادية للروس من قبل السلطة الجديدة مثابة ذريعة لبوتين لضم شبه جزيرة القرم ولانفصال مؤيدي روسيا في الدونباس. في هذا الحين بدأت الحرب في أوكرانيا فعليا. وبين عامي 2014 و2021، خصصت الولايات المتحدة حوالي 2.7 مليار دولار كمساعدات للجيش الأوكراني. بالإضافة إلى الأسلحة والطائرات بدون طيار والصواريخ المضادة للدبابات والطائرات، أرسلوا مدربين لتدريب الجنود النظاميين والميليشيات القومية المتطرفة المنخرطة في دونباس والإشراف عليهم. في غضون سنوات قليلة، أعادت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو تشكيل الجيش الأوكراني وتحديثه وتجهيزه.

كما زاد الناتو في أوروبا الشرقية المناورات العسكرية، مثل عملية أناكوندا التي نظمت في عام 2016 في بولندا ودول البلطيق مع 30 ألف جندي، من بينهم 14 ألف أمريكي. ومنذ عام 2017، ضاعف البنتاغون من إنفاقه في هذه المنطقة أربع مرات، ولا سيما بنشر لواء مدرع قوامه 4000 رجل. وفي يونيو 2021، أعلن أنطوني بلينكين، وزير خارجية بايدن، مرة أخرى: "نحن نؤيد انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو." وكتب ضابط في الجيش الفرنسي في وقت مبكر من عام 2015: "في أوكرانيا، لا يمكن لروسيا اليوم بأي حال الموافقة على التراجع أمام واشنطن، تحت طائلة إعادة إنتاج دوامة التنازل التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفيتي. [...] وهذا يدل على أن الكرملين سيختار دائما التصعيد بدلا من المخاطرة بمشاهدة كييف تفوز. [...] من الواضح جدا أن الولايات المتحدة تخاطر بالسعي للفوز بسباق تسلح باستخدام أوكرانيا ضد روسيا، فهدف هزمها في جوارها على وجه الخصوص."

إن عدوان بوتين العسكري الفظ ضد أوكرانيا، والذي يشكل عملا إجراميا بحق الشعبين الأوكراني والروسي، هو ثمرة هذه السياسة الإمبريالية. والقادة الأمريكيون قد أعدوا نفسهم لمثل هذه الفرضية. إذ بعد أقل من 48 ساعة من الغزو الروسي، أرسل الجيش الأمريكي حوالي 17000 صاروخ مضاد للدبابات من مخازن في ألمانيا ومنح بايدن سلفة جديدة بقيمة 350 مليون دولار.

ومع ذلك، رغم قيام القادة الغربيون بإشعال الفتيل، فإنهم لا يريدون التدخل في الحرب بأنفسهم. إن رفض الولايات المتحدة السماح لبولندا بتزويد أوكرانيا بطائرات ميغ 21 التي طلبها الرئيس زيلينسكي أمر ملفت. الولايات المتحدة تضاعف ميزانياتها العسكرية وترسل أسلحة متطورة كما تزيد بلا شك عدد مستشاريها العسكريين، لكنها لا تريد المخاطرة بأن تعتبرها روسيا دولة محاربة، حتى كي تنخرط في مواجهة مباشرة معها. حتى عضوية أوكرانيا في الناتو، التي حتى قبل تسعة أشهر كان بلينكن يحفز لها، لم تعد على جدول الأعمال لأن هذا الاحتمال كان السبب الرئيسي لعملية بوتين العسكرية. في 15 آذار / مارس، قال زيلينسكي، المسير من قبل الأمريكيين الذين يسعون بوضوح للتوصل إلى حل تفاوضي للحرب: "منذ سنوات ونحن نسمع أن أبواب الناتو مفتوحة، لكننا أدركنا أنه لا يمكننا الانضمام. هذه هي الحقيقة ويجب أن ندركها". باختصار، ألقى القادة الغربيون الأوكرانيين في وكر الدب ثم أغلقوا المخارج عليهم. ففي مواجهة العدوان الروسي، يشيد القادة الغربيون بشجاعة الأوكرانيين والتزامهم الوطني لكنهم يتركونهم يقاتلون بمفردهم.

وهذا الحذر لا ينبع، كما تكرر وسائل الإعلام، من شعور بالمسؤولية لدى القادة الغربيين كحريصين على تجنب بدء حرب نووية. مرارا وتكرارا، في الماضي كما في الحاضر، من فيتنام إلى العراق ومن ليبيا إلى اليمن وأفغانستان، تمكن هؤلاء القادة وأسلافهم من تدمير بلدان بأكملها وذبح مواطنيها بما فيه عبر اللجوء إلى أسلحة الدمار الشامل بشكل مباشر أو من خلال حلفائهم بالجوار. ويمكن أن يتحول حذرهم بسرعة إلى اندفاع متهور نحو الحرب. كل الأمر يعود إلى مدة الحرب في أوكرانيا وتطورها، كإمكانية امتدادها إلى مناطق أخرى لا سيما تلك الموجودة في الاتحاد السوفييتي السابق، وأيضا على مدى تأثير القتال والعقوبات ضد روسيا على الاقتصاد العالمي، والتقدم المحرز في المفاوضات، وموقف بوتين والبيروقراطيين والأوليغارشيين من حوله. حتى الآن، عبر شن حرب على بوتين عبر أوكرانيا واستفادتهم من مقاومة أوكرانية أكثر صلابة مما كان متوقعا، تحقق الولايات المتحدة أهدافها: إضعاف روسيا وتعزيز هيمنة شركاتها في أوروبا الغربية كما في العالم، وتعزيز رأسمالييها في الصناعة العسكرية، وأيضا إعادة تأكيد تفوقهم على حلفائهم الأوروبيين في الاقتصاد العالمي المأزوم حاليا.

أوروبا والولايات المتحدة

تظهر الحرب في أوكرانيا مرة أخرى أن الولايات المتحدة هي المأمور الأول، بما في ذلك في أوروبا. ولقد أحدثت وسائل الإعلام ضجة كبيرة حول قرار الاتحاد الأوروبي، وهو قرار وصف بأنه تاريخي، بتخصيص مليار يورو من ميزانية ما يسمى بـ "تسهيل السلام الأوروبي" لتغطية تكلفة الأسلحة المرسلة إلى أوكرانيا. ذلك في حين أن الولايات المتحدة قد زادت من مساعدتها العسكرية والاقتصادية لأوكرانيا إلى 14 مليار دولار. أما بالنسبة للعقوبات الاقتصادية، فقد انتهى الأمر بالقادة الأوروبيين بأخذها على مضض، باستثناء الغاز والنفط حتى الآن، ذلك بسبب اعتمادهم الكبير على المواد الخام ووجود مجموعاتهم الصناعية والتجارية في روسيا بشكل كبير ومتفاوت بين دولة أوروبية وأخرى. وإذا كان ماكرون والمستشار الألماني شولتز، ممثلا القوتين الرئيسيتين في الاتحاد الأوروبي، قادرين على التململ والتظاهر بالتحدث إلى بوتين، لكنهما لم يكن أمامهما خيار سوى اتباع سياسة بايدن، وبخنوع.

فبعكس ما يدعيه السياسيون مثل زمور ZemmourوميلونشونMélenchon ، اللذان يمثلان نوعين مختلفين من المواقف المناهضة للناتو، فالمسألة ليست مسألة اختلاف بين شخصيات في السلطة أو في توجهها السياسي، بل الأمر يتعلق بموازين القوى. فإن لجوء حكومات دول أوروبا الشرقية إلى حلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة لضمان دفاعها، وليس إلى الاتحاد الأوروبي، فذلك يعود لأن الاتحاد يظل تجمعا لدول متنافسة ليس لديها جيش مشترك. وإنه بعد سنوات من النقاشات، تمكنت دول الاتحاد الأوروبي من تبني "بوصلة استراتيجية" بهدف تنسيق الدفاع الأوروبي وربما إنشاء، قوة تدخل سريع أو حتى قيادة موحدة. وإن مصطلح "البوصلة" وحده يدل على أن فكرة "الدفاع الأوروبي" الذي يناشد به ماكرون هو وهم ليس إلا. إذ كما قال الأمين العام السابق للدفاع والأمن القومي في عهد الرئيس هولاند Holland مؤخرا: "إن مشكلة أوروبا هي أن كل بلد يصنع في ركنه جيشا صغيرا مع فائض غير ضروري وتكاليف هيكلية." وكما تحسر ممثل سابق للاتحاد الأوروبي أن يكون لأوروبا: "اختلاف كبير في أنواع المركبات المدرعة والطائرات المقاتلة وكون الصناعة العسكرية الأوروبية غير منسقة". إن هؤلاء الدبلوماسيين، كما المسؤولين العسكريين الذين ينشرون الكثير من المقالات في الصحف، قلقون من اعتماد أوروبا على القرارات الأمريكية، لكنهم لا يستطيعون فعل أي شيء حيال ذلك.

إن هذه الحرب تؤكد إلى أي مدى تمنع المصالح المتباينة للإمبرياليات الفرنسية والألمانية والبريطانية من تكوين جيش مشترك بينهم. حتى دون التكلم عن إمكانية اختلاف أهداف الحرب بين هذه الدول، فإن مجرد عملية صناعة الدبابات والصواريخ والطائرات المقاتلة تؤدي إلى مشاجبات تجارية وتسلط الضوء على الخصومات الموجودة. فما إن أعلن أولاف شولز عن مبلغ بقيمة 100 مليار يورو لإعادة تجهيز الجيش الألماني حتى أعلنت الأخيرة عن طلبيتها لطائرات الـ F-35 لدى شركة لوكهيد مارتن Locheed Martin الأمريكية، مما أثار استياء داسو  Dassault الفرنسي  الذي يسعى لبيع طائراته الرافال، وكذلك استياء الكونسورتيوم الفرنسي الألماني الإسباني حول داسو وسافران وإيرباص وإندرا، والذي يسعى لإنتاج طائرة عسكرية أوروبية، طائرة سكاف.

سباق التسلح

في هذا المجال، كما هو الحال في العديد من المجالات الأخرى، تعمل الحرب في أوكرانيا على إعادة خلط الأوراق وإثارة الشهوات. لطالما كانت العسكرة وتضخم ميزانيات الدفاع أحد الاجوبة أمام أزمة الاقتصاد الرأسمالي. ووفقا لتقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، في عام 2020، في خضم وباء الكوفيد، وصل الإنفاق العسكري في العالم إلى ما يقرب من 2000 مليار يورو، أو ما يعادل 250 يورو لكل إنسان على هذا الكوكب، بما في ذلك الرضع. إن دول الناتو قد أنفقت وحدها 1100 مليار دولار. والحرب الحالية سوف تضخم هذه الميزانيات بشكل كبير. ويبرهن سباق التسلح غير المسبوق هذا أن جميع القادة والحكومات وجنرالاتهم ودبلوماسييهم يحضرون مذابح المستقبل. من الجدير الذكر أن غزو أوكرانيا قد قوبل بالترحيب في سوق الأوراق المالية من خلال زيادة في أسهم تاليس وداسو ولوكهيد مارتن وتجار أسلحة آخرين. وقد أعلنت جميع الدول تقريبا عن زيادة ميزانياتها الدفاعية لتبلغ نحو 2٪ من ناتجها المحلي الإجمالي. كما أعلنت الدنمارك عن رغبتها بالانضمام إلى "أوروبا الدفاعية" وتعمل أيضا على زيادة ميزانيتها العسكرية. وقبل بضعة أشهر، كانت اليابان هي التي أعلنت تمديد 6 مليارات دولار لجيوشها ومضاعفة ميزانيتها الدفاعية تحت ضغط الولايات المتحدة.

وأوروبا ليست القارة الوحيدة التي تتجه نحو الحرب. فمن خلال نشر أسطولها البحرـ جوي في بحر الصين ومضيق تايوان، تمارس الولايات المتحدة على الصين نفس نوع الضغط العسكري الذي تمارسه على روسيا. وخلال التصويت في الأمم المتحدة لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، امتنعت الصين عن التصويت، الأمر الذي أثار غضب الغربيين الذين حثوها على اختيار أحد الصفين. لكن الصين بإدارة شي جين بينغ، والتي تلعب دور المنافس والشريك للدول الإمبريالية في آن واحد، سوف تبذل قصارى جهدها حتى لا تنحاز إلى أي طرف، لأنه لا مصلحة لها في الانفصال عن الولايات المتحدة ولا عن روسيا. وقد تسمح العقوبات الغربية ضد بوتين للصين بتعزيز تجارتها مع روسيا. من ناحية أخرى، تشكل الحرب في أوكرانيا عاملا من عوامل عدم الاستقرار الذي يؤدي إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية وإضعاف الرأسماليين الصينيين.

العمال والحرب

بالنسبة للعمال الأوكرانيين، الحرب هي عبارة عن كارثة تهدد وجودهم بشكل مباشر. حتى أن وحشية الغزو الروسي، مع تدمير المنازل وأماكن اللجوء وحتى المستشفيات، قد دفعت الأوكرانيين الروس إلى أحضان الميليشيات القومية.

في روسيا، لقلق أهالي الجنود الذين يخاطرون بحياتهم من أجل مصالح البيروقراطية والأغنياء في البلاد، وللتضحيات التي تفرضها السلطات باسم جهود الحرب، ولتعزيز ديكتاتورية الشرطة التي تنهال على كل المعارضين، تضاف الآثار المتعددة للحصار الاقتصادي الغربي. فبالنسبة لمئات الآلاف من الأشخاص الذين كانوا يعملون في الشركات الغربية التي توقفت عن العمل، فإن الحرب تعني تسريحهم والبطالة. بالنسبة للكثيرين الآخرين، سوف تعني نقصا إضافيا في بعض المقومات وصعوبات في الحياة اليومية. والجميع سوف يعاني من ارتفاع تكلفة البضائع وليس فقط المنتجات المستوردة.

أما بالنسبة لمئات الملايين من الناس في البلدان الفقيرة المستوردة للحبوب، أدت الحرب في أوكرانيا إلى ارتفاع أسعار الخبز مع التهديد بالمجاعة. هذا الارتفاع الناتج قبل كل شيء عن عمليات المضاربة التي تقوم بها أربع شركات كبيرة مسيطرة على 90٪ من سوق الحبوب العالمي. في غضون أسابيع قليلة، ارتفع سعر طن القمح من 280 إلى 380 يورو. في مصر، التي تستورد 80٪ من قمحها من روسيا أو من أوكرانيا، ارتفع سعر الطحين بنسبة 50٪ في أيام قليلة.

بالنسبة لعمال أوروبا أو أميركا، تنعكس الحرب في أوكرانيا أيضا في تسارع التضخم الناجم عن عمليات المضاربة التي يقوم بها المستفيدون من الحرب مثل شركات قطاعي الطاقة والتغذية. ومن خلال زيادتها للفوضى في الاقتصاد الذي تسبب فيه الكوفيد وللمنافسة الاقتصادية بين الشركات الرأسمالية الكبيرة للاستيلاء على الحد الأقصى من فائض القيمة، تزيد الحرب أيضا من حدة الهجمة الاجتماعية التي تشنها الشركات الكبرى ضد العمال. وفي العديد من الشركات، يؤدي انقطاع المواد الأولية والقطع، الناجم عن القتال في أوكرانيا أو بسبب العقوبات المفروضة على روسيا، إلى فرض أيام من البطالة والمزيد من التدهور في ظروف العمل.

وتستخدم هذه الحرب من قبل جميع الحكومات في محاولة لتوحيد الشعب وراءها، باسم الدفاع عن القيم الديمقراطية ضد دكتاتورية بوتين، وباسم السلام أو التهديد بحرب نووية. ويتم استخدام المشاعر المشروعة أمام صور الجثث والدمار وحشود اللاجئين كما ردة الفعل التضامنية النزيهة لمساعدة هؤلاء، وكذلك صور المتطوعين للذهاب للقتال في أوكرانيا، يتم استخدام كل ذلك لمحاولة خلق وحدة وطنية وتهيئة العقول لفكرة أن الدفاع عن وطنه أمر مشروع وأنه يجب أن يكون المرء مستعدا للموت من أجله.

هذه الوحدة الوطنية ليست أمرا مكتسبا بعد. في فرنسا، إن عدم الثقة وحتى الكراهية تجاه ماكرون، والتي تم التعبير عنها خلال حركة السترات الصفراء واستمرت خلال العامين من الإدارة الاستبدادية للوباء بهدف إخضاع العمال، تعيق السير في اتجاه الوحدة الوطنية. كما أن جزء كامل من الطبقة العاملة في هذا البلد، بسبب صلاته بالمغرب العربي أو إفريقيا أو الشرق الأوسط، يشوبه الاشمئزاز بشكل مشروع بسبب الاختلافات في المعاملة بين اللاجئين الأوكرانيين واللاجئين القادمين من الشرق الأوسط. وهؤلاء العمال يعرفون مسؤولية الإمبريالية وحلفائها في تدمير العراق وليبيا واليمن وسوريا. لكن هذا الرفض للإمبريالية، عندما لا يستند على الوعي الطبقي، يقود البعض منهم إلى رؤية بوتين، بشكل خاطئ تماما، كبطل مناهض للإمبريالية.

ومع ذلك، وفي أواسط مختلفة، بما في ذلك بين العمال، يمكن للمرء أن يسمع أحاديث مؤيدة لإعادة الخدمة العسكرية الإجبارية. ولقد أعادتها السويد للتو؛ وفي ألمانيا، تناقش الأحزاب الحاكمة ذلك. ويبدو أن الفيلق الدولي لأوكرانيا الذي أنشأه زيلينسكي قد وجد مجندين، وليس فقط بين الجنود السابقين أو النشطاء اليمينيين المتطرفين الذين يبحثون عن الأدرينالين. لا يوجد تدفق هائل ولا زلنا بعيدين عن عسكرة عامة للسكان. لكن أحد أهداف الحكومات الغربية، التي تشيد ببطولة الأوكرانيين والأحكام العرفية التي تفرض حظرا على مغادرة أوكرانيا لجميع الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عاما، هو على وجه التحديد إعداد العقول للحرب.

قبل عامين، أشار الجنرال بوركهارد، رئيس أركان القوات المسلحة الحالي، إلى أن الضباط الفرنسيين الشباب "لم يكتسبوا القساوة بشكل كاف بعد". وأعرب ضابط تدريب في مدرسة سان سير العسكرية عن أسفه لأن "المجتمع الفرنسي قد ابتعد عن المأساة وعن التاريخ". ويستخدم ضباط البرجوازية الحرب في أوكرانيا لتقديم دورات مكثفة في "المأساة وفي التاريخ".

الشيوعيون الثوريون والحرب

وهذا التجهيز النفسي تشارك به أيضا بعض التيارات السياسية التي تطالب بإرسال السلاح لأوكرانيا، بما في ذلك تلك المصنفة على اليسار والتي تنأى بنفسها عن الناتو. كحزب "معا!" لكليمنتين أوتان الذي كتب في منشور ملون بالأصفر والأزرق، من ألوان العلم الأوكراني، بتاريخ 8 مارس: "نقول نعم لتسليم الأسلحة الدفاعية التي طلبتها المقاومة وحكومة أوكرانيا". ومجموعات التابعة للمكتب التنفيذي للأممية الرابعة (SU) هي أيضا على نفس المنوال: "كل التضامن والدعم للمقاومة المسلحة وغير المسلحة للشعب الأوكراني. نعم لتسليم أسلحة بناء على طلب الشعب الأوكراني لمحاربة الغزو الروسي لأراضيه". إن بايدن وماكرون والقادة الغربيون الآخرون لم ينتظروا "معا!" أو الولايات المتحدة لتسليم الأسلحة. بل إنهم يقدمونها بشكل غير محدود لجيش زيلينسكي، هذا "الديمقراطي" الذي يشبه طبق الأصل كل الرؤساء الفاسدين الذين حكموا أوكرانيا لأكثر من عشرين عاما، وكذلك إلى الميليشيات الإقليمية الأوكرانية التي يهيمن عليها بشكل كبير اليمين المتطرف.

إن المناداة بـإرسال السلاح لأوكرانيا، دون التمييز بين المصالح الاجتماعية المتعارضة في هذا البلد الشاسع، هو بمثابة اعتبار أن الغزو الروسي قد بدد أي وجود للصراع الطبقي في أوكرانيا. وهو بمثابة التأكيد بأن مصالح الملايين من العمال، من عمال زراعيين في الكولخوزات السابقة المخصخصة وعمال في صناعة الصلب من آزوفستال وصولا إلى ماريوبول وعمال المناجم في دونباس وعمال المواصلات في كييف وخاركيف والمتقاعدين الفقراء، هي نفسها مصالح الأوليغارشية الأوكرانية، الموالية لروسيا أو المؤيدة للغرب. وإذا كنا غير قادرين أبدا، بحكم عدم وجودنا في هذا البلد وبحكم بعدنا الجغرافي، على اقتراح أي سياسة تتوافق مع مصالح العمال في أوكرانيا، يمكننا مع ذلك تأكيد بعض المحاور لما يمكن أن تكون عليه هذه السياسة: مخاطبة الجنود الروس إلى محاولة فصلهم عن بوتين والجنرالات الذين ينظمون هذه الحرب بين الأشقاء وذلك بالاعتماد على العلاقات الشخصية والعائلية والاقتصادية والثقافية المتعددة التي لا تزال تربط الروس بالأوكرانيين، بدلا من تحفيز المشاعر الوطنية الأوكرانية ؛ رفض أي انحياز خلف زيلينسكي والتأكيد على تبعيته للبرجوازية وللأوليغارشية الأوكرانية مع التذكير بكل ما مارسه منذ انتخابه من سياسة ضد العمال وكذلك الشديد على علاقاته مع الميليشيات الإقليمية اليمينية المتطرفة، وبشكل أساسي، مع القوى الإمبريالية والتي هيأت للكارثة الحالية.

الشيوعيون الثوريون ليسوا سلميين. إذ من الضروري أن يقوم العمال، في نضالهم للدفاع عن حقهم في الوجود ضد جيوش الاحتلال الأجنبية أو ضد مستغليهم الوطنيين، أن يجدوا السبل والوسائل لتسليح أنفسهم. لكن مسألة السلاح هي مرتبطة بمسألة السلطة. خلال إسبانيا الجمهورية عام 1936، وفي القتال ضد قوات فرانكو والذي قارنه البعض، كزعيم حزب الخضر يانيك جادو، بالوضع في أوكرانيا في عام 2022 لتبرير إرسال الأسلحة، لم تكن الأسلحة أكثر ما كان ينقص، بل وجود سياسة ثورية. إذ قبل أن يتم سحقهم العسكري من قبل قوات فرانكو، قد تم نزع سلاح العمال والفلاحين الإسبان سياسيا من قبل الجمهوريين والاشتراكيين والستالينيين الذين رفضوا المصادقة على مصادرة كبار الملاك والرأسماليين، والذين رفضوا أيضا إعلان استقلال ما كان يسمى بالمغرب الإسباني، كما استولوا أو أعادوا فرض سيطرتهم على المليشيات العمالية والكتائب الدولية وأخضعوها لضباط الجيش الجمهوري. كان من شأن وجود سياسة أخرى مؤاتيه لمصلحة الطبقة العاملة أن تكون، كما حدث أثناء الثورة الروسية عام 1917، وسيلة قوية لسحب البساط من تحت أقدام فرانكو. فقبل الأسلحة المادية بكثير يحتاج العمال إلى سلاح سياسي: الوعي بضرورة تنظيم أنفسهم بشكل منفصل والدفاع عن مصالحهم الطبقية والاستيلاء على السلطة على المجتمع بأسره. هذا الأمر صحيح في أوقات السلم، ويبقى كذلك عند اندلاع الحرب.

لقد دفع غزو جيوش بوتين لأوكرانيا العالم إلى حقبة جديدة، عهد تسريع النزعة العسكرية والسير نحو حرب شاملة. في مواجهة عسكرة المجتمع بأسره في جميع بلدان العالم، قبل الحرب العالمية الثانية مباشرة، رفع البرنامج الانتقالي (1938) الذي صاغه تروتسكي شعار: "لا رجلا ولا فلسا واحدا للحكومة البرجوازية! لا لبرامج التسليح، نعم لوضع برنامج لتطوير ورشات ذات فائدة للعامة! لا بد من الاستقلال التام للمنظمات العمالية أمام سيطرة الجيش والشرطة!" ومرة أخرى: "التعليم العسكري وتسليح العمال والفلاحين تحت السيطرة المباشرة للجان العمال والفلاحين. إنشاء مدارس عسكرية لتدريب الضباط من صفوف العمال تختارها المنظمات العمالية. استبدال الجيش الدائم، أي الثكنات، بميليشيا شعبية في ارتباط لا ينفصم مع المصانع والمناجم والمزارع، إلخ."

يجب على العمال والشباب ألا يسمحوا بأن يتم تجنيدهم وتطوقهم تحت سيطرة الضباط الذين سوف يغرسون فيهم، بقوة الهراوات، الطاعة للتسلسل الهرمي وحب الوطن وغيرها من القيم مثل كراهية الأجانب والرجولة أو الإدمان على الكحول... فإذا توجب عليهم تعلم كيفية استخدام الأسلحة، فيجب أن يتم هذا في مكان عملهم أو دراستهم وذلك من قبل مدربين من اختيارهم. وقبل كل شيء يجب عليهم أن يحافظوا على خريطة الطريق التالية: في الحروب بين اللصوص الإمبرياليين أو بين القوى المستعدة لإلقاء شعوبها في الحرب من أجل ضمان الأسواق والمواد الخام، "العدو الرئيسي يكمن في بلدنا!"

21 مارس 2022

مصدر النص: https://www.union-communiste.org/ar/lnsws-bllg-lrby

النص باللغة الفرنسية:

https://mensuel.lutte-ouvriere.org/2022/03/26/la-guerre-en-ukraine-nouveau-pas-vers-une-guerre-generale_244637.html#sdfootnote1sym