إيران: بعد أكثر من ثلاثين عام من حكم النظام الإسلامي - نص مفصل - 2010

Drucken
ترجمة

إيران: بعد أكثر من ثلاثين عام من حكم النظام الإسلامي

حلقة ليون تروتسكي – باريس في 16 نيسان / أبريل 2010
النص الاصلي : https://www.lutte-ouvriere.org/documents/archives/cercle-leon-trotsky/ar...

عناوين الفقرات

قبل عام 1914، تحت السيطرة الأنجلو روسية

التحديث القسري تحت حكم الشاه

ولادة المنظمات العمالية

تأميم النفط: الصراع مع القوى الإمبريالية 

... يؤدي إلى ديكتاتورية عسكرية تحت أمرتها

رجال الدين، شخصيات معارضة رئيسية

تزايد التناقضات الاجتماعية

تطور قوى معارضة أخرى

الجماهير تنتفض ضد الشاه 

الخميني يصل إلى السلطة بفضل الانتفاضة

وبمساعدة الافلاس السياسي لقوى المعارضة

... وبضمان من الامبريالية

إنشاء النظام الإسلامي كاستمرارية للدولة

القادة الجدد: قمع وديماغوجية شعبوية

القومية الاقتصادية للنظام

الحرب التي قام بها العراق بدعم من الإمبرياليين ساعدت على تقوية النظام

النظام يقاوم هجوم الجيوش العراقية بفضل الدعم الشعبي

عواقب كارثية، ولكنها لم تمس النظام الإسلامي

مجتمع تحول على الرغم من الديكتاتورية الإسلامية

المسألة النووية: ذريعة للولايات المتحدة

تنمية اقتصادية تعود بالنفع على كبار الشخصيات في النظام

الهجوم على العمال

ما الذي يبحث عنه المعترضون على السلطة الحالية؟

تطلعات الطبقات الشعبية ودور الطبقة العاملة

 

كانت إيران في عام 1979، حين أطاحت انتفاضة شعبية حقيقية بنظام الشاه رضا بهلوي الدكتاتوري، عبارة عن نظام ملكي مستقر منذ عقود ومدعوم من قبل القوى الإمبريالية الأمريكية والأوروبية.

اضطر الشاه للذهاب الى المنفى بعد أن تخلت عنه الحكومة الأمريكية نفسها، في حين حملت الانتفاضة الشعبية آية الله الخميني ورجال الدين الشيعة إلى السلطة فأسسوا الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

كانت الجمهورية الإسلامية هذه فريدة من نوعها حيث أنها لم تكن نتاج استمرار لنظام اقطاعي من اقطاعيات القرون الوسطى، كما هو حال أنظمة إسلامية أخرى في المملكة العربية السعودية وغيرها، بل على العكس، جاءت تتويجا للإطاحة بنظام عسكري – بوليسي، بفضل حراك قوي قامت به الطبقات الشعبية والبرجوازية الصغيرة الإيرانية.

لم تشهد إيران من قبل مثل هذا السيل من الجماهير الشعبية. لكن الانتفاضة الثورية الحقيقية هذه وقعت تحت سيطرة رجال الدين الشيعة الذين تولوا قيادتها. فأقام هؤلاء نظاما لا يتقبل أية معارضة وأرغموا المجتمع على اتباع أسلوب حياة بال وتمييزي ضد المرأة، وذلك باسم الدين الإسلامي.

لاتزال دكتاتورية رجال الدين الرجعية هذه مستمرة منذ أكثر من ثلاثين عاما وذلك بالرغم من عدائية القوى الإمبريالية المعلنة لها. ليست هذه العدائية نتيجة استحالة التوفيق بين هذا النظام الرجعي وبين الإمبرياليين الغربيين الذين يدعمون أنظمة بنفس القدر من الرجعية والمعاداة للحريات. هذه العدائية تعود لكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية شديدة الاهتمام باستقلاليتها إزاء مصالح القوى الغربية، مما يجعلها، بنظر هؤلاء، أقل خضوعا لسيطرتهم.

إن الدعم الشعبي للنظام جعله صلبا بما يكفي لمقاومة الحرب المدمرة التي استمرت مدة ثماني سنوات في الثمانينات، ضد العراق، وحاكمها صدام حسين، والتي كانت تشكل آنذاك قوة إقليمية وكانت مدعومة من الغرب. كما نجح النظام الاسلامي الايراني في مقاومة الضغوط الاقتصادية الكثيرة، بما في ذلك الحظر التجاري الذي فرضته الولايات المتحدة عليها.

ولكن منذ الانتخابات الرئاسية التي جرت في حزيران / يونيو الماضي (2009)، حيث اعترض الخاسرون على النتائج، تبلورت الاحتجاجات ضد الرئيس أحمدي نجاد الذي أعيد انتخابه. وظهرت شروخ داخل السلطة إلى العلن، كما كان قد حدث سابقا.

وتضم الاحتجاجات قادة ووزراء ورؤساء سابقين في النظام، ينتقدون علنا الرئيس الحالي وحتى خامنئي، الزعيم الديني على رأس الدولة. إن هذا يعبر عن وجود أزمة سياسية داخل النظام نفسه.

من ناحية أخرى، ومنذ إعادة انتخاب أحمدي نجاد وحتى نهاية عام 2009، تضاعفت الاحتجاجات حاشدة الشباب الطلاب في طهران على وجه الخصوص. وفي أواخر كانون الاول / ديسمبر رفع متظاهرو الحراك "الاخضر" ـ تمثلا باللون الرمزي للإسلام ـ شعارات معادية مثل "ليسقط أحمدي نجاد" و"الموت للديكتاتور" و"ليسقط خامنئي" وحتى "ليسقط مبدأ ولاية الفقيه"، وهو مبدأ منصوص عليه في الدستور يمنح السلطة العليا السياسية إلى زعيم ديني شيعي يسمى "آية الله".

ما الذي يحدث في إيران الآن؟ كيف يمكن أن يتطور الوضع؟ هل اهتز النظام الإسلامي إلى نقطة السقوط؟

من الصعب العلم بذلك لأن ما نعرفه من الأحداث هي تقارير الصحافة فقط. ولكن الصحافة ليست موضوعية: فالصحافة الإيرانية ليست موثوقة لأنها مراقبة، أما وسائل الإعلام الغربية فغالبا ما تكون تحليلاتها مضللة. فالولايات المتحدة تمارس الضغوط لمحاولة التأثير على تطور النظام بشكل يصب في مصالحها، ووسائل الإعلام تشارك في العملية الدعائية الهادفة إعطاء صورة للنظام ولمعارضيه بشكل يلائم الإمبرياليين الغربيين.

لكن لا يزال بوسعنا أن نحاول فهم ما يحدث من خلال النظر الى كيفية الوصول إلى الوضع الحالي، وكيف تم وضع هذا النظام، وكيف تطور، وإلى مدى يتزعزع استقراره اليوم.

لفهم إيران اليوم، علينا أن نبدأ بماضي إيران الذي أنجب النظام الإسلامي.

قبل عام 1914، تحت السيطرة الأنجلو روسية

في بداية القرن العشرين اكتشف النفط في جنوب ما كان يسمى ببلاد فارس، في منطقة عربستان (خوزستان). وابتداء من عام 1908 قامت انجلترا بالسيطرة على انتاج النفط عبر شركة النفط الأنجلو-فارسية.

في الواقع كانت روسيا وانكلترا تتقاسمان بلاد فارس منذ عدة عقود، حيث كانت الأولى تسيطر على الشمال ومنطقة أذربيجان، في حين أن انجلترا سيطرت على جنوب البلاد.

وكان النظام السياسي، منذ فترة طويلة، عبارة عن نظام ملكي، لسلالة أمراء القجار. وكان هؤلاء يعيشون، بفضل نظام اقطاعي، على ظهر طبقة كبيرة من الفلاحين. وكان المجتمع لا يزال مجتمعا قبليا إلى حد كبير.

في تلك الحقبة، نشأت برجوازية تجارية في وسط المدن، في الأحياء المسماة البازار، حيث يتجمع التجار والحرفيون والمرابون. وكانت هذه البرجوازية مرتبطة ارتباطا وثيقا برجال الدين. فرجال الدين، وكان لهم تأثير كبير في المجتمع، لم يكونوا معارضين لكل ما له علاقة بالتقدم فحسب، بل أيضا للتغلغل الاقتصادي للغرب في البلاد. هذا الأمر جعلهم حلفاء لبرجوازية البازار، أي البازاريين. وقد ظهر هذا التحالف إلى العلن عدة مرات في ذلك القرن خلال الصراعات التي اندلعت بين البرجوازية القومية ورجال الدين من جهة والقوى الإمبريالية من جهة أخرى.

كما كان في إيران أيضا شريحة من المفكرين المتفتحين على أفكار الحداثة والقومية. وأصبحت هذه النخبة المثقفة، والعلمانية بعض الشيء، حليفة أيضا لرجال الدين خلال انتفاضة عام 1906 ضد الملك القجاري. وقد أجبرت الأحداث التي وقعت حتى عام 1911، تحت اسم "الثورة الدستورية"، الشاه على قبول مبدأ الدستور وإنشاء برلمان. لكن الحركة لم تذهب بعيدا. فقد قصفت جيوش القيصرية الروسية والجيش الإنجليزي البرلمان ومدينة تبريز المنتفضة، فتمكن الشاه من اعادة بسط سلطته، وانتهى الحراك.

خلال الحرب العالمية الأولى، لم يكن لدى دولة القجار بعد أي جيش وطني، لكنها كانت تتمتع بتشكيلة عسكرية حقيقية واحدة وهي لواء القوزاق، والذي كان تحت قيادة ضباط روس. حاول البريطانيون والفرنسيون السيطرة على البلاد بأكملها، ولكن عند نهاية الحرب، كان البريطانيون وحدهم يسيطرون على جزء من البلاد، إذ كانت بقية البلاد في حالة من الفوضى. لكن إنجلترا وجدت الرجل الذي يلزمها: العقيد رضا خان.

التحديث القسري تحت حكم الشاه

بدأ حكم هذا الديكتاتور، الذي استمر حتى الحرب العالمية الثانية، بقمع الحركات الإقليمية وكذلك الحركة الشيوعية الحديثة العهد.

ويعود إنشاء الحزب الشيوعي في إيران إلى عام 1920، وذلك بفعل مثقفين في الحزب الديمقراطي الاشتراكي الروسي. وفي أيلول / سبتمبر 1920، ضم مؤتمر شعوب الشرق، الذي نظمته الاممية الشيوعية في مدينة باكو، وفدا فارسيا إلى جانب وفود من آسيا الوسطى والقوقاز ووفود عربية وصينية.

والثورة الروسية كانت قد فتحت نافذة أمل بعد أن أدت الى تفكك جيش القيصر وأحيت نفس الحرية لدى الشعوب. ففي بلاد فارس المتعددة التركيبة هذه، استغلت العديد من الشعوب، من كردستان إلى أذربيجان، الفرصة لكسب المزيد من الاستقلالية. ففي عام 1920، وفي منطقة متاخمة لبحر قزوين، قامت مجموعة من الثوار مكونة من قوميين راديكاليين ورجال دين بالتحالف مع البلاشفة وبتشكيل جمهورية غيلان الاشتراكية الفارسية، وذلك بدعم من الجيش الأحمر.

لكن هذه الجمهورية لم تستمر إلا بضعة أشهر فقط إذ كلف فيلق القوزاق بالإنهاء على المنتفضين. وتكفل الجيش، بقيادة العقيد رضا خان، بإقامة دولة قوية ملائمة لكي يتمكن الانجليز من استغلال الموارد الطبيعية للبلاد. كما سعى رضا خان إلى قمع كل عدوى ثورية، فلم يهاجم الشيوعيين فقط بل أيضا الحركات الإقليمية في كردستان وأذربيجان ومنطقة النفط في عربستان.

ولم يكتف رضا خان بالسلطة العسكرية، فأطاح في عام 1925 بسلالة القجار القديمة وتربع على العرش ليصبح شاها، أي ملكا، وأسس لسلالة بهلوي طامحا إلى خلق دولة حديثة وموحدة. فأسس ديكتاتورية عسكرية، وفرض التحضر على القبائل الرحل، ونشر الرهاب بالسلاح وصولا إلى أقصى البلاد. وأراد العاهل الجديد أن يكون محدثا، وسعى، كمصطفى كمال في تركيا، إلى الحد من سلطة رجال الدين والوقوف بوجه الملالي. ففرض، بشكل رمزي، نمطا من اللباس الغربي. وفي عام 1935 غيرت بلاد فارس اسمها لتصبح إيران.

بالنسبة للجماهير الفقيرة، كان هذا المحدث رجلا حديديا في خدمة الطبقات المترفة والقوى الإمبريالية المسيطرة على ثروة البلاد.

ولادة المنظمات العمالية

وكانت الطبقة العاملة قد تطورت بفضل صناعة النفط. ونظمت الاتحادات التي أنشأت حديثا عدة آلاف من العمال.

ووضع النظام الملكي الجديد حدا للحريات السياسية، فحظر الحزب الشيوعي والمجلس المركزي لنقابات العمال حيث كان الحزب الشيوعي مؤثرا. غير أن مجموعات من الناشطين السريين تمكنت من البقاء والاستمرار. ولم تتمكن دكتاتورية رضا بهلوي من منع الإضرابات ولا تشكيل نقابة لصناعات النفط في عام 1928. وكان العمال في الصناعات النفطية أشداء وقاموا بإضرابات قوية مثل يوم 1 ايار/ مايو عام 1929.

لم تضعف قبضة الدكتاتورية إلا خلال الحرب العالمية الثانية، حيث غير القادة الإمبرياليون موقفهم منه. إذ أصبح رضا بهلوي مضايقا لهم بسبب تعاطفه مع النظام النازي. علاوة على ذلك، كان الحلفاء البريطانيين والروس بأمس الحاجة إلى النفط الإيراني. فأطيح بالشاه وأرسل إلى المنفى. وعلى الرغم من حيادها حلال الحرب حتى ذلك الحين، واحتلت البلاد من قبل القوات المتحالفة البريطانية والسوفيتية، وذلك بموافقة من روزفلت. وكان القادة الأمريكيون ينتظرون دورهم الذي لم يتأخر.

وبعد خلع الوالد على العرش، نصب الغربيون الابن الشاب، محمد رضا، شاها، والذي وعد بالاستمرار في حماية مصالحهم.

 
   

وخلال سنوات الاحتلال هذه، تطورت المجموعات القومية والاشتراكية وشهدت الحركة العمالية تطورا نوعيا. ففي هذا السياق، وفي عام 1941، تم إنشاء حزب جديد يدعي الشيوعية، حزب توده، ومعناه حزب الجماهير.

تأسس حزب توده مستفيدا من الوجود العسكري السوفيتي وسرعان ما انتشر وتوسع في المحافظات الشمالية، في منطقة احتلال الجيش السوفييتي. ثم انتشر في وسط البلاد، في أصفهان، التي كانت مركز صناعة الغزل والنسيج، وبعد انتهاء الحرب، في الجنوب، بين عمال صناعة النفط.

لم يكن حزب توده حزبا بروليتاريا، فلم يفكر حزب توده أبدا برفض ومعارضة الملكية الخاصة، وكانت شعاراته تقتصر على "الاستقلال والحرية والتقدم". وقد دعا منذ بدايته إلى إرساء الديمقراطية ضمن إطار الملكية البرلمانية، ولم يعارض لا الإمبريالية ولا الدين.

ومع ذلك، ارتبط الحزب الستاليني هذا بالطبقة العاملة. وعمل نشطاؤه على تكوين نقابات عرفت تطورا هاما في سنوات الاربعين.

وفي عام 1946 في عربستان، عبر عمال النفط عن مطالبهم من خلال اضراب كبير.

تأميم النفط: الصراع مع القوى الإمبريالية ...

في عام 1951، قرر رئيس الحكومة مصدق، وكان برجوازيا قوميا معتدلا، تأميم النفط الذي كان حتى ذلك الحين في أيدي الشركة الأنجلو-إيرانية التابعة للبريطانيين. كان هذا الإجراء مؤاتيا للبرجوازية الإيرانية. صوت البرلمان لصالح التأميم وأنشأت الشركة الوطنية الإيرانية للنفط.

وتبلور ائتلاف باسم "الجبهة الوطنية" ضم الى جانب مصدق، سياسيين معادين للشاه ورجال من البرجوازية الصغيرة المواليين للحداثة وتجار من البازار. ولاقى الاتلاف دعم رجال الدين.

وقد اندلعت الإضرابات والمظاهرات الشعبية دعما لمصدق وللتأميم. ولكن في اطاحتها بشركة النفط الأنجلو-إيرانية، كانت الحكومة في الواقع قد تعرضت لمصالح القوى الإمبريالية. ففرض على إيران حصار حقيقي شكل أول حظر تجاري انتقامي.

كان عشرات الألاف من العمال مستعدين للمشاركة في الصراع القائم بين مصدق والشركة البريطانية القوية، فاندلعت اعمال عنف. كما انضم حزب توده إلى الحراك، بعد أن رفض دعمه في البداية، وأصبح بجانب الجبهة الوطنية. بين الجماهير، كان توده هو الأكثر تأثيرا. لكن الجبهة الوطنية ورجال الدين لم يرغبوا بدعم الشيوعيين لهم، ولا بحراك الطبقة العاملة.

وكان هذا الحراك يشكل تهديدا أيضا بنظر القادة الإمبرياليين فسارعوا إلى ازالة هذا الخطر بوضع حد لحكومة مصدق وللإهانة التي مثلها تأميم النفط. فنفذ جنرال إيراني، متصل بوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية، الانقلاب الذي اطاح بمصدق في أب / أغسطس 1953.

... يؤدي إلى ديكتاتورية عسكرية تحت أمرتها

فانهالت موجة من القمع تسببت في سقوط مئات القتلى في صفوف المشاركين في الحراك وبشكل خاص لدى الشيوعيين. وتلا الانقلاب إقامة دكتاتورية عنيفة منعت الجبهة الوطنية وفككت حزب توده. وأدى خضوع الحكومة الإيرانية وقمع الطموحات القومية إلى تعزيز الديكتاتورية في خدمة القوى الغربية.

واستغلت الولايات المتحدة الوضع لمنافسة البريطانيين، فسيطرت على 40٪ من النفط الإيراني.

وأنشئت في عام 1957 الشرطة السياسية، السافاك، التي عرفت بصيتها السيئ أمام جرائمها العديدة. وحتى عام 1965 قادها عسكريون مدربون في فرنسا، كتيمور باكتيار وحسن بكارافان، وكان الاثنان من خريجي "مدرسة القديس سير العسكرية" الفرنسية. وساعدت وكالة الاستخبارات الامريكية في انشاء السافاك التي لقيت أيضا دعم المخابرات الإسرائيلية، الموساد.

وشرعت الولايات المتحدة أيضا بمساعدة النظام الملكي على بناء جيش قوي وحديث. فلم يكن ذلك فقط لجعل إيران حصنا ضد الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة، ولكن أيضا لتوفير أقصى قدر من الدعم لهذا النظام الموالي لها.

وابتداء من الستينيات، أقام الشاه، بناء على نصيحة البيت الأبيض وحكومة كينيدي، سلسلة من الإصلاحات الرامية إلى تحديث البلاد. وتتعلق هذه الإصلاحات بالريف بشكل خاص وأهمها تأميم بعض أراضي الملاك الكبار في حال لم تكن مستثمرة بشكل جيد. وتعويضا على الأراضي التي سلموها، منح الملاك حقوق استملاك في الشركات الصناعية العامة. وطالت إعادة توزيع الأراضي عدة ملايين من الفلاحين ولكن كان عليهم شراؤها بالاستدانة. في آخر المطال غطس العديد منهم في البؤس وسرعان ما تسارع النزوح من الريف.

وكان الإصلاح الثاني يهدف الى وقف تحطيم الغابات عن طريق الحد من مناطق المراعي. فوقعت العديد من القبائل الرحل ضحية لهذا الاجراء، إذ كان إجبارهم على التوطن في المدن مرادفا للإفقار.

وأخيرا، نزح ملايين الفلاحين إلى المدن حيث شكلوا قوة عاملة جديدة بخدمة تطوير الصناعة.

وساد التوتر في الأرياف حيث نشبت الانتفاضات بسبب هذه الإصلاحات التي نفذت بطريقة استبدادية، باسم التحديث.

وأجبرت تدابير أخرى الرجال والنساء على نمط أسلوب حياة غربي. على سبيل المثال، منع الشاه الرجال من ان يكونوا ملتحين، والنساء من ارتداء الحجاب في حين أعطين الحق في التصويت في عام 1963. كان هذا التغيير بالتأكيد يتماشى مع سير التاريخ، ولكن النظام الذي كان يقوم به بعنف وبوحشية، بات مكروها أكثر فأكثر من قبل الجميع.

وبعبارة أخرى، لم يكن بإمكان الأفكار التقدمية التغلغل إلى الشعب بهذه الطريقة.

رجال الدين، شخصيات معارضة رئيسية

وقد أثارت هذه الإجراءات عدائية رجال الدين. ففي عام 1963، تمرد الملالي حيث كانوا يخشون أيضا فقدان ملكية اراضيهم. تم قمع معارضتهم لسياسة شاه ونفي بعضهم، ومن بينهم الإمام الخميني، الذي اضطر الى اللجوء إلى العراق.

منذ ذلك الحين، اصبحت المؤسسة الشيعية معارضة شرسة لنظام بهلوي الملكي.

وقع النظام في مأزق بين الحاجة إلى تنمية إيران ومتطلبات مصالح الإمبريالية. لكنه لم يعارض القوى الغربية كما حاول مصدق القيام به في أوائل الخمسينات. فبقيت التدابير التي فرضت ضد التقاليد وبقايا الإقطاعية سطحية، ولم تحول المجتمع.

وكان القصد من إصلاحات الشاه تعزيز قطاع الصناعة في البلاد وتطور البرجوازية. وقد ظهرت بورجوازية جديدة في السبعينيات بفضل خصخصة جزء من الصناعة المرتبطة بالنفط. وكانت هذه البرجوازية التجارية، القريبة من بلاط الشاه، مرتبطة بشكل مباشر بالشركات الدولية.

وابتداء من عام 1973، سمحت زيادة سعر النفط، الذي تضاعف أربعة مرات، بإثراء سريع لجزء صغير من البرجوازية. وكانت هذه الثروات المجمعة صادمة بقدر ما كانت باقي البلاد لا تزال في حالة من التخلف.

تزايد التناقضات الاجتماعية

دفع البؤس الملايين من الرجال والنساء إلى المدن، وفي غضون عشرين عاما ازداد عدد سكان المدن على مثال مدينة طهران التي زاد تعداد سكانها من حوالي مليون ونصف في عام 1956 إلى 4 مليون نسمة في عام 1976.

وازداد التفاوت الاجتماعي بشكل أكبر. ففي نهاية السبعينيات، اعتبر مكتب العمل الدولي أن تفاوت الدخل في إيران هو الأكبر في العالم.

ظهر أسلوب الحياة المرفه لبلاط الشاه بغطرسة متزايدة ليبلغ ذروته في عام 1971 عندما أقام الشاه احتفالا فخما وترفا على أنقاض مدينة بيرسيبوليس، جامعا العشرات من ملوك ورؤساء الدول. فكان من شأن غطرسة وازدراء هؤلاء تجاه الجماهير الفقيرة أن يزيد من كراهية الأخيرة للنظام.

وترافقت إصلاحات الشاه أيضا بنشوء نظام الحزب الواحد، أي حزبه، مع حظر جميع الاحزاب الأخرى. واعتمدت الديكتاتورية على اساليب السافاك الوحشية، والتي بلغ عدد أعضائها في عام 1978عدة آلاف موظف متفرغ ومليون مخبر.

وكانت التناقضات الاجتماعية بالغة لدرجة أنه بالرغم من القمع، بدأ الاحتجاج في الستينيات وتزايد أكثر في السبعينات.

وكانت إيران، وخاصة في السنوات الأخيرة من حكم الشاه، القوة العسكرية الرئيسية في منطقة الخليج، وكان الجيش الركيزة الاساسية للنظام. فبحصولها على التكنولوجيات الحديثة وأمام رغبة الشاه بالتمثل بالدول القوية في العالم الرأسمالي، كانت إيران تعتبر بلدا حديث مقارنة بالممالك العربية المجاورة التي كانت لا تزال تعيش في العصور الوسطى، ذلك شريطة النظر الى الأوساط البرجوازية الكبيرة والصغيرة فقط، دون سائر البلاد.

وكان نظام الشاه، الذي بدا قويا وعتيدا بنظر القوى الامبريالية، بمثابة ذراعها المسلح في المنطقة والمكرس للدفاع عن مصالحها، كما هو الحال، ولأسباب أخرى، بالنسبة لدولة إسرائيل.

تطور قوى معارضة أخرى

ومع ذلك، كانت هناك قوى معارضة للشاه، وإن لم تكن واسعة الانتشار. وكان الحزب الشيوعي، توده، الأكثر أهمية بينها. وكان نشطاؤه يناضلون سرا، بعد أن حكم على العديد من قادته بالإعدام في عام 1966.

كما وجدت منظمات سياسية أخرى صارعت الدكتاتورية بالسلاح. كمنظمة "مجاهدي خلق" التي أنشأت في عام 1965 واستقطبت الطلاب والمثقفين من البرجوازية الصغيرة. وقد قدمت نفسها على أنها قومية وديمقراطية ومسلمة، كجناح ديني للمعارضة. وعلى العكس من ذلك، أعلنت منظمة "فدائي خلق" بوضوح على أنها ماركسية لينينية. وضحى العديد من نشطاء هاتين المنظمتين بحياتهم في الصراع ضد الديكتاتورية. وفي السبعينات، اختارت هاتان المنظمتان اسلوب حرب العصابات ضد النظام. وبهذا انقطع نشطاؤهما عن الجماهير وبقوا أقلية. لذا فلم يكن الفقراء يتأثرون بهما، بل أكثر برجال الدين الشيعة.

في الواقع، كان رجال الدين أقوى قوة معارضة للديكتاتورية. وكانت المساجد ملاذا لسماع الخطب المنددة بالنظام. ومن ناحية أخرى، وضع رجال الدين أشكالا من التكافل الاجتماعي مثل مطابخ الحساء لأشد الناس فقرا. وطالت عقوبات السجن بعض الملالي المعادين للنظام الذي كان يحد من امتيازاتهم، وكذلك رجال دين آخرين، كآيات الله.

إن القمع الجماعي للمعارضين، مثل حكم الإعدام لقادة توده، زاد من المنتقدين لهذه الديكتاتورية في دول العالم. وبكل نفاق، حث الرئيس الاميركي كارتر حليفه الايراني على احترام حقوق الانسان، في حين كانت السافاك في السبعينات تسجن وتقتل أكثر من أي وقت مضى.

ومع ذلك لم يتمكن القمع من منع قيام الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بنظام الشاه، وقد عجز حتى الجيش عن إيقاف سيلها.

الجماهير تنتفض ضد الشاه

بدأ الغليان في نهاية عام 1977 في الجامعات وبين العمال الذين ضاعفوا الاضرابات.

وقام حراك في عام 1978 شمل في بادئ الامر، وعلى مدى عدة أشهر، أوساط البرجوازية الصغيرة من طلاب وتجار ورجال دين. وكان تدمير الفنادق الفخمة المخصصة للشاه ولبلاطه تعبيرا عن الغضب إزاء هذا النظام الذي همش الكثيرين.

ولكن، ومنذ صيف عام 1978، انخرط فقراء المدن والعمال في المظاهرات الحاشدة والمتكررة أكثر فأكثر. وكان مئات الآلاف من المتظاهرين العزل، رجالا ونساء وشبابا وأطفالا من أحياء الصفيح في طهران، يسارعون نحو وسط العاصمة، وبأعداد متزايدة، على الرغم من رصاص الجيش. واستمر الحال كذلك لعدة أشهر لأن المتظاهرين كانوا، بسبب تصميمهم، يعودون في موجات متتالية.

ولم يمنع القمع وإعلان الأحكام العرفية، التي حظرت جميع المظاهرات في أيلول / سبتمبر 1978، من نمو المظاهرات. كان الحراك مذهلا، والدبابات والأسلحة الآلية لم تعد قادرة على وقف الشعب المنتفض. ووصلت الانتفاضة إلى أقصى حد لها في كانون الأول / ديسمبر حيث كان القمع المسلح يقتل العديدين كل يوم. وعلى الرغم من ذلك، كان المتظاهرون يعودون كل يوم، وبأعداد متزايدة.

ولم تبق الطبقة العاملة خارج الصراع، على الرغم من أنها لم تشارك بشكل واسع في هذا الكفاح ضد النظام إلا في نهاية العام.

كانت الطبقة العاملة قد تشكلت بمعظمها قبل وقت قصير نتيجة النزوح الريفي الناجم عن الإصلاح الزراعي الذي أقامه الشاه في الستينات والسبعينيات. وكان العمال الفقراء في الغالب من صغار السن وقد خرجوا للتو من حالتهم كفلاحين. وكانوا يعيشون في أحياء الصفيح في طهران وأصفهان. وكان معظمهم دون عمل منتظم، ولم يبقوا على قيد الحياة إلا بفضل الاقتصاد غير الرسمي. وفي حال حصولهم على وظيفة، فإنهم كانوا محرمين من النقابات ومن أي شكل آخر من التنظيم يمكنهم إدراك مصالحهم الطبقية.

ولكن كان هناك أيضا عمال أكثر مهارة في قطاع النفط والنقل والكهرباء. فعمال النفط الذين اضربوا عن العمل في تشرين الثاني / نوفمبر 1978 أدوا لدخول عمال آخرين في الاضراب. وبعدها بفترة وجيزة، تسبب الاضراب العام بشل الاقتصاد. وفي جنوب البلاد، عندما أضرب العمال في مصفاة عبادان في تشرين الثاني / نوفمبر وكانون الأول / ديسمبر عام 1978، انحجزت جميع ناقلات النفط في الميناء.

عندها دق جرس الموت لنظام الشاه.

كانت مطالب العمال سياسية، ضد الشاه والدكتاتورية، ولكن العمال شاركوا في الانتفاضة الثورية دون أن تكون لهم قيادتهم الخاصة. وكان العمال أنفسهم قد أنشأوا لجان إضراب في صناعة النفط حيث نظموا أنفسهم وأقاموا صلات بين بعضهم البعض، ومن شركة لأخرى، بهدف خوض الكفاح بأكبر فعالية ممكنة. ولكن هذا لم يكن كافيا، لأن العمال الذين كانوا يقرؤون منشورات "المجاهدين" أو منشورات توده وجدوا فقط دعوات إلى الوحدة ضد الديكتاتورية، دون أي انتقاد للمؤسسة الدينية.

وكان رجال الدين، في معارضتهم لنظام الشاه، ينددون أيضا بالرفاهية التي يعيش فيها وبالتبذير الذي كان يقوم به. وكانوا يتوجهون إلى المحرومين ويعدونهم بمستقبل أفضل عبر محاربة النظام الملكي الخادم لصالح الأجانب. كانت هذه الخطابات تروج بشكل أساسي لأفكار أخلاقية وقومية.

وفي حين لم يعد قمع النظام قادرا على إيقاف الجماهير المتكاثرة أعدادها في المظاهرات، تبوأ رجال الدين، المصممين على إسقاط النظام الملكي، حركة الجماهير. ففي 10 و11 كانون الأول / ديسمبر 1978، كان هناك أكثر من مليون متظاهر في مدينة طهران وحدها، ولكن جميع المنظمات المعادية للشاه، بما فيها "المجاهدين" و"الفدائيين"، قد تظاهروا خلف صور آية الله الخميني. إن تخلي هذه المنظمات، واصطفافها خلف رجال الدين، ساهم في منح رجال الدين موضعا مهيمنا.

الخميني يصل إلى السلطة بفضل الانتفاضة

وكان الخميني، الذي كان في المنفى منذ عام 1964 ومنذ مدة قصيرة في فرنسا، يقوم بحملة دعائية من بعيد، ويستعد للعودة إلى إيران من خلال استقبال زعماء المعارضة الذين دعموا بالتالي السلطة السياسية للزعيم الديني، بدلا من الصراع معه على السلطة. وسمحت الدولة الفرنسية للخميني قيادة شبكته الدينية من مقر إقامته في إيفلين. وقدمت منظمات المعارضة دعمها لآية الله وجاء قادة منظمات علمانية وليبرالية للتفاوض معه.

وبمساعدة الافلاس السياسي لقوى المعارضة

وهكذا ساعدت كل هذه المنظمات، بما فيها حزب توده والمجاهدين والفدائيين، آيات الله على الاستيلاء على السلطة. ذلك لأن هذه المنظمات قد وضعت نفسها في أعقاب هؤلاء في الوقت الذي كان تحدي النظام في مرحلة متصاعدة.

لم يكن مكتوبا أن رجال الدين سوف يتمكنون من السيطرة على الطاقة الثورية للشعب الإيراني. فمنظمة كفاحية مثل منظمة المجاهدين كان باستطاعتها منازعة رجال الدين على قيادة الحركة، أو على الأقل المحاولة في ذلك، بحدود امكانياتها طبعا. لكنها لم تفعل ذلك، أو على الأقل لم تقرر محاربة رجال الدين سياسيا إلا بعد أشهر من وضعهم في قمة السلطة.

كما لم يناضل الحزب الشيوعي توده من أجل السلطة. لقد اصطف منذ وقت طويل الى جانب المؤسسة الشيعية دون محاربتها. حتى أنه شارك في التضليل الماورائي الذي قام به رجال الدين حين روجوا لظهور خارق للطبيعة للخميني. وهذا ما كتبه حزب توده: "ان جماهيرنا الكادحة في نضالها ضد الإمبريالية بقيادة الولايات المتحدة شهدت وجه إمامها ومرشدها الحبيب الخميني، يظهر في القمر".

وتحت ضغط الانتفاضة والحراك العمالي، بدأت الدكتاتورية تتهاوى. وحاول الشاه إنقاذ نظامه عبر تشكيل حكومة جديدة برئاسة شابور بختيار، لكن الأوان قد فات. فاحتكم الديكتاتور إلى الفرار إلى الخارج خاصة وأن الولايات المتحدة قد توقفت عن دعمه.

... وبضمان من الامبريالية

ورأت رئاسة أركان الجيش، التي نصحتها القوى الإمبريالية، أنه من الحكمة تجنب أي فراغ مؤسساتي. فرأوا أن الخميني يشكل البديل لحماية جهاز الدولة. ولذلك، تمكن الخميني العودة من المنفى بالطائرة، مدعوما من قبل القوى العظمى ودون معارضة رئاسة أركان الجيش الملكي، والوصول دون مشاكل إلى إيران حيث لاقى ترحيبا ظافرا.

وجاءت الضربة القاضية لنظام الشاه بفضل انتفاضة شعب طهران في أوائل شباط / فبراير. وقد تم ذلك باسم الخميني، ولكن ليس بمبادرة منه. إذ انتفض الشعب لمدة ثلاثة أيام ضد حكومة باختيار والدكتاتورية. ودون أن تلقى الخطوة تأييد الخميني، تمكن منتفضون من تسليح أنفسهم بتواطؤ مع بعض أفراد الجيش، حيث لم يعد الجيش الملكي هذه المرة في وضع يسمح له بالقمع.

وبعد هذه الأيام، في 12 شباط / فبراير 1979، ألغي النظام الملكي.

وتمكن الخميني، مدعوما من قبل المتظاهرين ومن جزء من الجيش، من تشكيل حكومة جديدة. ودار في الأشهر التالية صراعا سياسيا بين المتنافسين على السلطة تمكن حزب الخميني في نهاية المطاف السيطرة على مجملها.

إنشاء النظام الإسلامي كاستمرارية للدولة

قامت الحكومة برئاسة بازرغان، السياسي الليبرالي، بفعل كل ما أمكن لوقف الزخم الثوري ونزع السلاح من يد الجماهير.

ففي يوم 8 اذار/ مارس 1979، وبمناسبة اليوم العالمي للمرأة، تظاهرت في طهران آلاف النساء من البرجوازية الصغيرة والمؤيدة لحقوق المرأة وذلك للتعبير عن مطالبهن الخاصة. حاول رجال حزب الجمهورية الإسلامية لخميني إسكاتهن. هذا الحزب قد تم إنشاؤه للتو، ولم يكن قويا بعد، ولكن ميليشياته بدأت باستخدام التهديدات والاعتداء كي يخشاهم الاخرون.

وأقيمت عملية تطهير واسعة النطاق في جهاز الدولة. فسقطت رؤوس عدد من كبار مسؤولي النظام الملكي المنهار، ولكن الكثير منهم كان قد فر إلى الخارج. أما أركان الجيش فانتقل معظمه الى معسكر السلطة الجديدة، وبعد بضعة أشهر لم يعد واردا محاسبة القتلة من النظام السابق بعد أن شملهم العفو.

مع رجال الدين والخميني، بقيت السلطة في أيدي البرجوازية. وعلاوة على ذلك، اعترفت كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي على الفور بالنظام الجديد.

تم تفكيك جهاز السافاك المرعب الذي كانت مهمته الدفاع عن سلطة الشاه. وأنشأ النظام الإسلامي الشرطة السياسية الخاصة به، وهي السافاما (Savama)، التي أعادت استخدام أساليب السافاك وحتى بعض رجالها. وتكاد هذه الشرطة السياسية للنظام الإسلامي، والتي تسمى اليوم فيفاك (Vevak)، لا تختلف عن السافاك القديم. فقد تغير الاسم، وبعض الموظفون أيضا، ولكن الدور لا يزال هو نفسه.

وكان الجيش الملكي السابق قد فقد عددا من الضباط المرتبطين جدا بالشاه، حيث فضلوا هم أيضا المغادرة. ولكن هذا الجيش كان الضامن لاستمرارية جهاز الدولة، والخميني كان قد جاء إلى السلطة بفضل اعطاء الجيش الضوء الأخضر له. مع ذلك، لم يكن بإمكان الخميني الاعتماد على الجيش للدفاع عن طغمته الدينية في تنافسها، الحقيقي او المحتمل، مع المتناحرين على السلطة. فمجاهدو خلق لم يتأخروا في كسر الوحدة التي جاءت بالخميني الى السلطة كما كان يخشى هذا الأخير أن تختار قيادة أركان الجيش طرفا آخر غيره، أو أنها تستولي على السلطة بنفسها.

فتم إنشاء جيش ثان مواز في ايار/ مايو 1979، وهو جيش الحرس الثوري والمكلف بالدفاع عن سلطة حزب الخميني، أي حزب الله. بدأ جيش الحرس الثوري بـ 4000 رجلا، المسمون بالباسدران. وهو يشكل اليوم جيشا قويا مع 125.000 عنصر وقوات بحرية وجوية.

مع أحداث تلك السنوات 1978-1979، تمكن رجال الدين من الوصول إلى السلطة، مستفيدين من حالة ثورية، وعن طريق وضع أنفسهم على رأس الجماهير المنتفضة. كان ذلك جديدا تماما، ففي السابق، وفي السنوات 1960 ـ 1970، كانت حرب العصابات والحركات المناهضة للإمبريالية ضد الامبريالية وديكتاتورياتها، تقاد عموما من قبل الجماعات اليسارية وفي كثير من الأحيان كانوا من الماويين.

افتتحت الأحداث الثورية في إيران حقبة جديدة، وهو عصر الحركات الدينية الإسلامية. لقد كانت إيران بمثابة نموذج. ومنذ عام 1979، أصبحت الحركات الاحتجاجية الأخرى تحت قيادة الأحزاب الإسلامية، مثل حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان.

القادة الجدد: قمع وديماغوجية شعبوية

كما أن الانتفاضة الثورية، والتي كانت انتفاضة حقيقية للجماهير الشعبية من الفئات الدنيا، قد هزت الريف أيضا. ففي العديد من المناطق، قام الفلاحون الفقراء الذين لا يملكون أرضا باحتلال أراضي الملاك الكبار.

كما انتفض الأكراد للمطالبة بحكم ذاتي لمنطقتهم. فتم إرسال الباسدران لسحقهم في شهر أيار / مايو 1979، في حين قصف الجيش مدنهم. فكانت حربا أهلية حقيقية. وسرعان ما انهال العنف أيضا على التركمان بالقرب من الحدود الشمالية للبلاد وعلى العرب في عربستان. واستمر النظام الجديد على النهج الملكي الذي قمع بشكل عنيف، وعلى مدى عقود، تطلعات الشعوب في الاقاليم حيث لا يشكل الفرس أكثر من نصف السكان.

وبعد فترة وجيزة من وصول الخميني إلى السلطة، تحولت وحدة الصف، الذي أطاحت بحكم بهلوي، إلى صراع بين الفصائل. ففي عدة مناسبات من العام 1979، عارضت الأحزاب العلمانية والمنظمات اليسارية حزب الخميني الإسلامي الذي حاول فرض نفسه كالحزب الوحيد في السلطة.

واحتجاجا على ذلك، قامت الجبهة الوطنية الإيرانية، والتي ضمت أحزابا يسارية وموالين لنهج الوزير السابق مصدق، بتنظيم مظاهرات ضمت عشرات الآلاف من الناس بين شهري حزيران / يونيو وتموز / يوليو 1979.

ونال فدائيو خلق، الذين كانوا ناشطين جدا خلال الثورة، على حوالي 10% من الأصوات في الانتخابات التي تلت الانتفاضة في شباط / فبراير 1979. وكما حزب توده، الذي صوت لدستور الجمهورية الإسلامية، قدم الفدائيون دعمهم لنظام الخميني خلال سنواته الأولى، وقد برروا هذا الاختيار بالادعاء بأنه من الضروري، كجزء من الثورة على مراحل، دعم البرجوازية الوطنية الصغيرة والديمقراطية التي كان الخميني ممثلها. ولم تنشق سوى أقلية من الفدائيين في عام 1980 لمعارضة النظام.

أما رجال الدين، فقد عززوا سلطتهم بالقضاء على خصومهم وبالاعتماد على ديماغوجية قومية وشعبوية تحت شعار الدين.  

الديماغوجية الشعبوية للسلطة الجديدة كانت عبارة عن خطاب موجه الى "المحرومين" حسب قولهم، لإيهامهم بأنهم سوف يستجيبون إلى تطلعاتهم. في الوقت نفسه، كانوا يعملون على الحد من الحريات للعمال في حين نشأت لجان العمال والمنظمات النقابية بفضل الزخم الثوري. وقد تم حظر حق الإضراب بسرعة وتم اعتقال قادة النقابات وألغيت حرية الصحافة.

واعتمد النظام الجديد في الوقت نفسه على المشاعر القومية والمعادية للولايات المتحدة. فبازرغان، رئيس الحكومة آنذاك، كان يحبذ العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الدول الأجنبية، بما فيها الولايات المتحدة. لكن هذا كان ليبراليا ومؤيدا للغرب للغاية جدا في نظر حزب الخميني، وإذ به ينحى عن منصبه.

كانت الإمبريالية قد وضعت إيران تحت قدمها مع ديكتاتورية الشاه، في حين أن نظام الخميني أظهر بدلا من ذلك أنه يريد أن تكون له مساحة أكبر للمناورة تجاه الأمريكيين.

وجاء تدخل طلاب حزب الجمهورية الإسلامية ضد سفارة الولايات المتحدة، في 4 تشرين الثاني / نوفمبر 1979 بهدف الانتهاء رمزيا من سياسة كانت متبعة من قبل النظام الملكي. ولم يتم الافراج عن رهائن السفارة الامريكية إلا بعد أكثر من 440 يوما. كانت عملية أخذ الرهائن هذه مجرد عملية مسرحية ودعائية أظهرت الإرادة بالتخلص من هيمنة الولايات المتحدة القوية على الدولة الإيرانية. فعزز حزب الخميني من موقعه، واستقالت حكومة بازرغان.

كما أظهر النظام الجديد عن سياسته القومية، وإن كان ذلك بشكل أقل عنفا، حيال الاتحاد السوفييتي من خلال نقض المعاهدة الإيرانية ـ السوفييتية لعام 1921.

وبغية توطيد سلطته، بقي على الخميني السيطرة في كل انحاء البلاد، وخاصة في مدينة تبريز في منطقة أذربيجان حيث قاد آية الله آخر ثورة ضد السلطة. فانهال القمع على الحراك لإنهائه تماما.

وفي الانتخابات الرئاسية الأولى للجمهورية الإسلامية في كانون الثاني / يناير 1980، تم انتخاب بني صدر، وهو أحد المقربين من الخميني، وكان واحدا من الذين صاغوا الدستور الذي أعطى كل السلطة السياسية لآية الله والمشار اليه بالمرشد الأعلى. وقد أظهر أيضا قومية النظام من خلال مثلا حظر التنازل عن انتاج قطاع الغاز والنفط للشركات الأجنبية.

ثم نظمت مظاهرات مناهضة للولايات المتحدة في عدة مدن، وقطعت العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة في نيسان/ ابريل عام 1980.

ونجح رجال الدين والخميني باستخدام الدين لخداع الجماهير ولإنشاء نظام له قاعدة شعبية. فأوهموا أنهم بخدمة الفقراء عبر الظهور كنقيض للشاه وعبر التنديد بالإمبريالية الأمريكية.

من ناحية أخرى، كان هناك عامل آخر لصالح النظام.

فمع سقوط النظام الملكي، فر الكثير من المقربين من الشاه إلى خارج البلاد، كرجال أعمال برجوازيين ومسؤولين في الإدارة وفي قيادة اركان الجيش. وبالإضافة إلى التطهير الذي حدث بين القادة والكوادر، شل هذا الأمر الاقتصاد في البداية، ولكن الوظائف العديدة الشاغرة جراء ذلك سمحت بارتقاء اجتماعي لفئة كاملة من المسؤولين في الدرجات الأدنى، فأصبحوا ممتنين للنظام.

كما أنشئت مؤسسات مخصصة لإدارة الممتلكات المصادرة من كبار الشخصيات في النظام الملكي السابق. كان ذلك بمثابة تأميم لثروات رجال النظام القديم. ومن أهمها كانت "مؤسسة المحرومين" التي بدأت بإدارة ممتلكات أسرة بهلوي، مع دور خيري في المقام الأول. ثم تحولت هذه المؤسسات، التي كانت تحت سيطرة رجال الدين، لتصبح لاحقا عبارة عن تكتلات برأسمال عام وذات أنشطة متعددة.

القومية الاقتصادية للنظام

وأعرب النظام عن نيته بناء اقتصاد مستقل وقوي.

فصودرت الشركات التي اختفى أصحابها، وأممت أخريات كالمصارف وصناديق المعاشات التقاعدية ومؤسسات صناعية. وأخيرا، ارتفعت حصة الدولة في الصناعة من 39 إلى 70 في المائة من رأس المال. وحدها قطاعات الحرف اليدوية والتجارة الصغيرة لم يشملها التأميم.

وعلى الرغم من وزنها، لم تتمكن البورجوازية البازارية، المعادية تقليديا لـ"الدولة كمديرة للأعمال"، من منع عمليات التأميم التي باتت ضرورة لإعادة تشغيل الاقتصاد. لكن التجارة الخارجية بقيت بعض الوقت خارج سيطرة الدولة الأمر الذي مكن البرجوازية التجارية من الاستفادة بشكل كبير من احتياجات البلاد في مجال التبادل والاستيراد، لاسيما وأن هذه الاحتياجات كانت مهمة لتحقيق الأهداف المعلنة، مثل الاكتفاء الذاتي في الزراعة وعلى وجه الخصوص عدم الحاجة لاستيراد القمح، وهو هدف لم يتحقق قبل عام 2007.

الحرب التي قام بها العراق بدعم من الإمبرياليين ساعدت على تقوية النظام

فقدت القوى الامبريالية دولة صديقة، ولم يعد بإمكانها تحمل هذا النظام المناهض لأمريكا وغير المضمون، والقادر على مواجهتها بسبب قاعدته الشعبية. فأملوا التخلص من الخميني بفضل صدام حسين.

الامر كان باستخدام الدولة العراقية، العلمانية والتي يقودها المسلمون السنة، لشن الحرب على إيران وإسقاط النظام الشيعي الإيراني.

شرع العراق بشن هجوم على إيران في أيلول / سبتمبر 1980 عبر الحدود في الجنوب في منطقة عربستان، مدعيا أنه جاء ليحرر المنطقة ذات الغالبية العربية. وبعد بضعة أسابيع، استولى على مدينة خرمشهر الإيرانية على الخليج العربي ـ الفارسي.

فاستمر الصراع مدة ثماني سنوات، حتى عام 1988.

سمح الصراع للنظام الإسلامي بالمناداة بالوحدة الوطنية لمقاومة الغزو، واستغلال ذلك للقضاء على المعارضين وتمكين سلطته. لقد عزز حزب الله نفسه كحزب واحد عن طريق إسكات ومطاردة كل المعارضة. فمنذ هذا الوقت حظرت الأحزاب الاخرى وحكم على المعارضين ـ الذين يعتبرون أعداء الله ـ بالإعدام. وذلك لم يقتصر على الشيوعيين، إذ عومل أتباع الدين البهائي، وهو انشقاق من الإسلام الشيعي، بنفس الاسلوب.

كما فرض تمييز عنصري دستوري حقيقي ضد النساء اللواتي أجبرن على ارتداء الحجاب خارج المنزل وفي العمل. وفقدت الكثيرات من نساء البرجوازية الصغيرة للمدن والموظفات وظائفهن. كن قليلات اثناء النظام الملكي اللواتي حصلن على عمل مأجور، فتفاقم ذلك في السنوات الأولى من النظام الجديد. كان ذلك تراجعا حقيقيا للنساء من هذه الاوساط. وتم فرض الشريعة الاسلامية، وأصبحت تربية الأطفال تحت الإشراف الصارم لرجال الدين.

وبات على الأحزاب السياسية الدخول في الصف والاعتراف بدستور الجمهورية الإسلامية وبسيادة الزعيم الديني على رأس الدولة.

أثار الغزو المسلح رد فعل وطني قوي لدى الإيرانيين. فاستفاد الخميني ورجال الدين من الغزو العراقي لحشد الشعب وراءهم إذ كان هناك تأييد بالإجماع تقريبا خلال العامين الأولين لدعوة الخميني للـ "الدفاع عن الوطن".

ومع ذلك، حاولت المعارضة رفع رأسها. فحصل عدد من هبات مقاومة ومظاهرات ضد النظام خلال عامي 1980 و1981.

في الجامعة، سعى حزب الله إلى طرد كل المكونات السياسية التي لم تتبعه فوقعت اشتباكات عنيفة، ليتم إغلاق الجامعة لمدة عامين من قبل الحكومة.

في حزيران / يونيو 1981، وبعد القمع الوحشي لحشد نظمه مجاهدو خلق في طهران، لجأ هؤلاء إلى الكفاح المسلح والعمليات الملفتة المقاومة. فعلى سبيل المثال، فجروا مقر حزب الجمهورية الإسلامية مما أسفر عن مقتل العشرات من الأعضاء البارزين في النظام. كما زادت الحكومة من القمع ضد كل من يشتبه بصلتهم بالمجاهدين، وذلك لأن هذا الحزب قد اجتذب العديد من شباب البرجوازية الصغيرة، كما كان للحزب العديد من الصلات داخل جهاز الدولة.

ووفقا لمنظمة العفو الدولية نفذ ما يقارب 1800 إعدام للمعارضين بين يونيو / حزيران وسبتمبر / أيلول 1981.

واستمرت الحرب الأهلية ضد المجاهدين ومنظمات اليسار طوال العام الذي تلاه.

وفي هذا السياق من الإرهاب، أصبح علي خامنئي، وهو عضو من رجال الدين المتوسطين والأمين العام لحزب الجمهورية الإسلامية، رئيسا للجمهورية. وقد اختار مير حسين موسوي رئيسا للوزراء، وهو نفس الرجل الذي يتم الحديث عنه اليوم لكشفه عن مخالفات في الانتخابات الرئاسية.

النظام يقاوم هجوم الجيوش العراقية بفضل الدعم الشعبي

في هذا الوقت، كانت العراق مسيطرة في الحرب. فبحلول نهاية عام 1980، دمر جيشه مصفاة عبادان وأنشأ جبهة بطول 500 كم داخل إيران.

أمام مدينة خرمشهر حيث الغالبية من العرب، لاقى العراقيون مقاومة شعبية غير متوقعة. فحتى العرب والسنة في هذه المنطقة لم ينظروا بإيجابية لغزو القوات العراقية. فبالنسبة لهم، وكما للفرس والشيعة في جميع أنحاء البلاد، كان النظام الإسلامي للخميني نتيجة لانتفاضتهم للتخلص من السيطرة الأجنبية ومن الاضطهاد الاجتماعي.

ومن جهتها، كانت الحكومة الإيرانية تحاول إعادة تنظيم الجيش التقليدي، الذي أضعفه التطهير من الضباط الملكيين وحرمانه من المساعدات الأمريكية؛ فحشد جيش حراس الثورة والجماهير في ميليشيات من المتطوعين، سميت بالباسيجي. من بينهم، كان هناك أحمدي نجاد الذي كان حينئذ مدربا لهؤلاء الشباب المستعدين للموت من أجل النظام الجديد. ثم انخرط شباب بالغي الصغر، وحتى أطفال، في القتال في هذه الميليشيات، مليئين بروح التضحية.

كانت نتيجة ذلك، بعد عامين تقريبا من القتال، في حزيران / يونيو 1982، أن اضطر الجيش العراقي لإخلاء كامل الأراضي الإيرانية. وفي المقابل قررت السلطة الإيرانية مهاجمة الأراضي العراقية. ففي تموز / يوليو، عبر الجيش الإيراني الحدود العراقية وأحرز تقدما نحو مدينة البصرة.

كان هذا نقطة تحول عسكرية وسياسية، لأن النظام الايراني لم يعد قادرا على استخدام حجة الدفاع عن الأراضي الوطنية للحصول على إجماع توافق الآراء. فكان من شأن الهجوم الإيراني المضاد أن يطيل امد الحرب لعدة سنوات إضافية.

فبدأت الاحتجاجات في الظهور، وفي عام 1983 تطورت المظاهرات ضد النظام إلى اشتباكات مع الشرطة في عدة مدن.

فبالنسبة للشباب الإيراني، أصبح الافق المستقبلي الوحيد لهم هو الانخراط في الجيش والتضحية باسم الإسلام الشيعي. أما من لم يكن آهلا للقتال على الجبهة، كان عليه تنظيف حقول الألغام حيث كان يواجههم الخطر بتفجير أنفسهم. فشرع مئات الآلاف من الشباب الفرار من البلاد، فحدث نزوح حقيقي إلى بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية لمن توفرت لديه الإمكانية لذلك، ومشيا على الأقدام إلى تركيا والى الهند للآخرين.

من جانبها، واصلت منظمة مجاهدي خلق، التي لجأ قادتها وناشطوها إلى العراق، إلى محاربة نظام الخميني من خلال المشاركة في الحرب إلى جانب الدولة العراقية، وأنشأوا قاعدة للقتال في هذا البلد في عام 1986. أفقد هذا الخيار العسكري للمجاهدين مصداقيتهم على نطاق واسع لدى الشعب الإيراني.

وفي حين كان الاتحاد السوفيتي يوقع اتفاق تعاون مع العراق، قررت الحكومة الايرانية التخلص من الشيوعيين. فشهد حزب توده آلاف الاعتقالات وعمليات الإعدام العديدة. ومنذ ذلك الحين، اختفى توده تقريبا مع غالبية أعضائه الذين فروا للعيش في المنفى، إن لم يتنازلوا أو يستسلموا امام النظام الإسلامي.

واعتبارا من عام 1984، هاجمت القوات المسلحة لكلا البلدين، وبشكل منهجي، المنشآت الصناعية والنفطية للخصم.

ولكن الحرب استمرت، وعندما أخذ العراق زمام المبادرة من جديد في أواخر عام 1987، أصبح من الصعب بكثير للنظام الإيراني الحد من انخفاض معنويات مقاتليه وتعب الجماهير التي تعرضت للقصف الشديد من قبل الطيران العراقي في العديد من المدن الكبرى.

وبمساعدة عسكرية من القوى الإمبريالية، بما فيها فرنسا، استعادت الجيوش العراقية زمام المبادرة لعدة شهور. وقد دمر الأمريكيون أنفسهم منصات نفطية ثم جزءا كبيرا من الأسطول الإيراني. فأجبرت إيران على انهاء هذه الحرب في تموز/ يوليو عام 1988.

عواقب كارثية، ولكنها لم تمس النظام الإسلامي

كمحصلة، خلفت الحرب أكثر من مليون قتيل، كما تعرض مئات الآلاف من الرجال، ومنهم العديد من صغار السن، للغاز السام أو للتشويه. وفي إيران، نزح الملايين من الناس لأن الجزء الأكبر من القتال قد دار على الأراضي الإيرانية.

وكانت عواقب الحرب كارثية لكلا البلدين. وكانت الاضرار هامة جدا مع تدمير مدن وتخريب مناطق بأكملها.

وفي نهاية النزاع، عاد البلدان، ولسنوات عدة، إلى حالة من التخلف والتبعية الاقتصادية لصالح الدول نفسها التي زودتهما بالأسلحة. في الواقع إذا كان الغربيون قد دعموا العراق، فإنهم قد باعوا أسلحة لكلا الجانبين. وحتى الولايات المتحدة قد دعمت إيران، وذلك عبر إسرائيل التي كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا بإيران خلال عهد الشاه، فكانت من بين مورديها الرئيسيين بالمعدات العسكرية.

والدولة الفرنسية لم تتوانى عن دعم العراق رسميا، وكانت موردها الرئيسي للأسلحة. فخلال أقل من ثلاث سنوات في بداية الحرب، باعت فرنسا أكثر من أربعين مليار فرنك من الأسلحة الى بغداد. ولكن العديد من الشركات الفرنسية، ومنها لوشير وداسو، باعت ايضا أسلحة إلى إيران.

من الناحية السياسية، في إيران كما في العراق، عززت الحرب مكانة المحافظين والتيارات الرجعية في السلطة وسمحت لهم بتبرير تقليص الحريات الديمقراطية والتخلص من خصومهم.

تم البطش بقوى المعارضة وأجبرت الطبقة العاملة على السكون، وهذا ما كان يفرح الدول الإمبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي كانت تمول خلال تلك السنوات الحركات المناهضة للشيوعية في أفغانستان، بدءا بالمجاهدين الذين كانوا يحاربون الوجود المسلح السوفييتي، وصولا الى الطالبان.

وقد تمكنت السلطة الدينية من زيادة قبضتها على المجتمع والجيش، وفي هذا السياق فإن العديد من التيارات الدينية والسياسية الشيعية والإسلامية أصبحت أقوى وأكثر نشاطا.

وتصاعد ثقل وتعداد الباسدران، الجيش الأيديولوجي للنظام. وتمكن النظام من العثور على العديد من المؤيدين بين الرجال الذين تم دمجهم بأعداد كبيرة في الجهاز العسكري وشبه العسكري. كان العثور على عمل صعبا جدا، فكان جيش حراس الثورة، وكذلك ميليشيات الباسيج، أحد الاساليب القليلة للحصول على راتب.

وشجعت البطالة الضخمة ونظام التقنين الذي اقامته الحكومة على تطور السوق السوداء في حين زاد التضخم الاقتصادي بشكل كبير. فتطورت التجارة السوداء بشكل واسع خلال الحرب، الأمر الذي كان من مصلحة برجوازية تجار البازار، الذين كانوا أنفسهم مقربين من السلطة.

وانخفضت الواردات بشكل كبير خلال هذه الفترة، ولكن اقتصاد البلاد، الذي كان شبه مكتف ذاتيا، لم ينهار. فصمد النظام الديني.

توفي الخميني في عام 1989، بعد سنة واحد من انتهاء الحرب. خلال السنوات العشر من السلطة، تمكن النظام من تمكين سلطته، وذلك بالرغم من أن إثراء الاغنياء الجدد، كالمرتبطين بالنظام ومختلف التجار والمهربين، الأمر الذي بلا شك قد خيب آمال الطبقات الدنيا التي أملت بأن تغيير النظام سيضع حدا للمظالم والتفاوت العميق الذي نشأ خلال النظام الملكي. ولم يعد النظام الإسلامي يحظى بالدعم المتحمس كما في السنوات الأولى.

جاء علي خامنئي وريثا للخميني، وهو لا يزال في منصب المرشد الأعلى اليوم. وكان أول رئيس دولة في ولايته هو رجل الاعمال الثري رفسنجاني الذي كان آنذاك يقود البرلمان. وازدهرت الصفقات التجارية خلال السنوات الثماني لرئاسة رفسنجاني.

ولا يزال هذا الرجل الغني جدا اليوم أحد أركان النظام، وهو عضو بارز في أعلى المؤسسات في البلد، مثل مجلس تشخيص مصالح الدولة، الذي أنشئ من أجل التحكيم في النزاعات بين الطغم المتنافسة على السلطة. مع رفسنجاني، تخلص خطاب الحكومة جزئيا من المبررات الأيديولوجية، وتحت شعار إعادة الإعمار، بدأت الخصخصة.

وفي عام 1997، انتخب آية الله خاتمي، المعروف على أنه اصلاحي، لرئاسة الحكومة بنسبة 70% من الاصوات. فأثار انتخابه آمالا لدى مثقفي البرجوازية الصغيرة لأن برنامجه وعد بالمزيد من الحرية والديمقراطية. ولكن بعد فترة وجيزة، في تموز / يوليو 1999، تم قمع حركة الطلاب المطالبين بمزيد من الحريات وحكم على العديد منهم بالإعدام. وانهالت موجة جديدة من القمع على المثقفين، بينما أغلقت العديد من الصحف. وبعد موجة القمع هذه، فقد الإصلاحيون شعبيتهم التي تمتعوا بها لأنها كانت تستند إلى الأوهام الديمقراطية التي أثارها وصولهم إلى الحكومة. فكان الاحتفال بإعادة انتخاب خاتمي لولاية ثانية أقل زهوا. وهو اليوم أحد الشخصيات المعارضة لحكومة أحمدي نجاد التي خلفته في عام 2005.

فاز أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية على خلفية إدانته للفساد. وكان جزء من الفقراء حساسين لخطابه المستوحى من شعارات 1979 مثل شعار "جمهورية الفقراء".

مجتمع تحول على الرغم من الديكتاتورية الإسلامية

وتطورت إيران منذ الثورة. فمع أن النظام الإسلامي لا يزال تلك السلطة الرجعية ذاتها، حصلت تحولات كبيرة في المجتمع. وإن بقي الإسلام ركنا أساسيا من ركائز النظام، لم يعد وزنه السياسي، بكافة تياراته مجتمعة، بذات الاهمية مقارنة بفترة وصول الملالي إلى السلطة.

فالنظام لم يعد يتطابق مع المجتمع الذي أصبح أقل زراعيا اليوم. والشباب الذين لم يعرفوا سوى الجمهورية الإسلامية، إن لم يكونوا بالضرورة معادين للدين، فهم أكثر فأكثر معاداة للسلطة الدينية ويطمحون إلى مزيد من الحرية.

هذا وقد ازداد عدد السكان زيادة كبيرة: من 34 مليون نسمة في عام 1976، إلى 70 مليون نسمة الآن. وأصبح المجتمع أيضا أكثر تمدنا، وهو تطور كان قد بدأ في عهد الشاه، وتسارع منذ ذلك الحين: فأقل من 40% من الإيرانيين كانوا يعيشون في المدن في عام 1966، مقابل 47% بعد عشر سنوات، وما يقارب الـ 70% اليوم.

كما تطورت بنية المجتمع أيضا منذ زمن الشاه.

فقد انخفض معدل الخصوبة إلى الثلث، بعد أن كان أكثر من ستة أطفال لكل امرأة في الثمانينات. ويرجع ذلك جزئيا إلى سياسة تحديد النسل التي سهلت الحصول على وسائل منع الحمل بعد الحرب، في أواخر الثمانينات. فأكثر من 80 في المائة من نساء طهران يطبقن "التنظيم الأسري"، وفي الريف أيضا، تستخدم وسائل منع الحمل على نحو متزايد.

ومن ناحية أخرى، كان السكان أميين إلى حد كبير اثناء حكم الشاه، وهذا لم يعد الحال الآن. فقد ازدادت معدلات الالتحاق بالمدارس ومحو الأمية بشكل كبير. فكانت الأمية تشمل نسبة كبيرة من الرجال وثلثي النساء في فترة حكم الشاه، لتتقلص إلى 20% و25% من السكان في عام 1996، وهي ما زالت تنخفض منذ ذلك الحين.

كما أن المعرفة أصبحت بمتناول الشعب الإيراني بشكل أكبر من السابق، وهذا تغيير كبير يمكنه أن يقوض النظام الإسلامي، خاصة وأن النساء استفدن بشكل خاص من هذا التطور.

إن وضع النساء، والمكانة التي تمكن من اخذها في المجتمع، يشكل تطورا رئيسيا يقوض الهيمنة الذكورية الرسمية. والنساء يحصلن أكثر فأكثر على الوظائف، حتى ولو أنهن لا يزلن أقلية صغيرة بين القوى العاملة. وفيما يتعلق بالتعليم، فإنهن بصدد اللحاق بالرجال. ومن المنوه أن بين مليون ونصف مليون ملتحق بالتعليم العالي، نصفهم من النساء. وهذه النسبة هي أعلى من معظم البلدان المجاورة، حتى تلك المدعومة من قبل الدول الغربية.

وهذا جزء من تناقضات هذا المجتمع، لأن هناك فصلا وتمييزا دستوريا ضد النساء، ولكنهن عرفن كيف يلتففن عليه للاستفادة من أفضل ما يمكن أن يقدمه المجتمع. كما قاومت النساء القواعد الاكثر رجعية، كتلك المتعلقة بالزواج الذي يمكن فرضه عليهن ابتداء من سن التسع سنوات وفقا لقوانين الجمهورية الإسلامية. ولكنهن تمكن من الحصول على مراجعة هذا السن القانوني، وفي الواقع فإنهن يتزوجن في المتوسط في سن الثالثة والعشرين.

لقد مشى التطور إذن في مسار مناقد لإيديولوجية النظام الرجعية.

فبعد أن حطم خصومه، حصل النظام على شبه إجماع واعتقد أن بإمكانه تغيير المجتمع عبر قوانينه، لكنه لم يتمكن من منع حدوث هذا التطور الذي بات يشكل خميرة التحولات المستقبلية.

من الناحية الاقتصادية، يهيمن القطاع العام منذ التأميمات العديدة التي تمت بعد سقوط الشاه. ويسيطر الملالي على الشركات المؤممة ويغتنون بفضلها. كما أنهم يشترون الزبائن عبر إعادة توزيع جزء من عائدات النفط.

وتعد إيران رابع منتج للنفط في العالم وهي تمتلك ثاني أكبر احتياطي من الغاز عالميا. كانت الدولة تعتمد كليا على عائدات بيع النفط في عهد الشاه، وهي لا تزال اليوم تشكل جزء مهما منها فمبيعات النفط تمثل 60% من إيرادات موازنة الدولة، ويشكل النفط ومشتقاته 80% من قيمة الصادرات.

ومع تذبذب أسعاره في سوق المال، سمح النفط بعائداته تمويل تنمية صناعية.

فتم بناء طرق جديدة، ووصلت شبكة الكهرباء إلى المناطق النائية، وأحرز تقدم في مجال التعليم والحماية الاجتماعية. فنظام الضمان الاجتماعي، الذي يشمل التأمين الصحي والمعاشات التقاعدية، حتى وإن لم يكن كافيا أبدا، فإنه يغطي 85% من السكان وفقا للبيانات الرسمية.

مع ذلك، لا تزال إيران بلدا متخلفا. ودلالة على ذلك أن بعض الوقود الذي تحتاج إليه البلاد يجب استيراده. فوفقا لصحيفة وول ستريت: "نظرا لعدم توفر الامكانيات في مجال التكرير، يجب على إيران استيراد 140.000 برميل من البنزين والديزل يوميا بتكلفة 5 إلى 7 مليار دولار سنويا". ويتألف الجزء الأكبر من هذه المشتريات من المشتقات المكررة من قبل الشركات الأوروبية والآسيوية.

بعد الإطاحة بالشاه، كان الاستثمار في مجال تحويل الموارد الطبيعية قليلا. وشكلت التكلفة الاقتصادية للحرب ضد العراق أحد أسباب ذلك، فمصفاة عبادان النفطية، التي كانت تنتج 40% من جميع المنتجات المكررة في إيران، قد دمرت تماما خلال الحرب.

لذلك، لا تزال إيران فريسة للمجموعات الأجنبية الكبرى، مثل توتال التي تمركزت فيها في عام 1954 بعد الإطاحة بحكومة مصدق. وفي التسعينات، استدعت الحكومة الاستثمارات الأجنبية في سبيل إعادة تأهيل وتطوير مركز انتاج للطاقة، بهدف زيادة إنتاج النفط.

كما خططت الشركات الكبرى الأوروبية والآسيوية، التي تهتم أيضا باستغلال خزان الغاز الضخم المشترك بين قطر وإيران، باستثمار مليارات الدولارات بالاشتراك مع الشركات الإيرانية. نفهم إذن سبب ذهاب دمارجيري، الرئيس التنفيذي لشركة توتال الفرنسية، مسرعا الى احتفال ذكرى قيام النظام الإسلامي في شباط / فبراير 2008، آملا تعزيز وجود شركته في إيران.

وعلى الرغم من العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة، لم يتوقف نمو الاستثمار الأجنبي المباشر منذ عام 1994.

لا يوجد خيار أمام الحكومة الإسلامية، فبالرغم من نيتها منذ ثلاثين عاما تقليص الاعتماد على عائدات النفط للحد من الضغط الإمبريالي، لا تزال مرتبطة بالدول الإمبريالية القادرة على القيام بالاستثمارات الضرورية للتمكن من استغلال الموارد الطبيعية.

المسألة النووية: ذريعة للولايات المتحدة

ومع ذلك، وعلى الرغم من العقوبات الدولية، تحاول الحكومة تطوير التكنولوجيات وتوليد الطاقة النووية.

وهذا ليس شاغلا جديدا لأن الشاه هو الذي أطلق البرنامج النووي في الستينيات. وفي ذلك الوقت، أبرمت العديد من العقود مع الولايات المتحدة وألمانيا أو فرنسا. وهكذا، في عام 1974، شاركت إيران في رأس مال الائتلاف الأوروبي لتخصيب اليورانيوم، يوروديف (Eurodif)، بنسبة 10٪، والذي كان يعطيها الحق في 10٪ من إنتاج اليورانيوم المخصب.

وتمارس القوى الغربية حاليا ضغوط كبيرة هدفها منع إيران من تطوير صناعة نووية.

إن النظام الإيراني ينفي رغبته في صنع أسلحة نووية. ولكن حتى لو كان ذلك في الواقع ما تسعى للقيام به - وهو أمر ممكن تماما - فهناك نفاق حقيقي من جانب الولايات المتحدة حيث أن العديد من الدول المجاورة (باكستان والهند وإسرائيل) تمتلك هذه التكنولوجيا والأسلحة الذرية. الحقيقة أن الولايات المتحدة تطبق حق الأقوياء بمنعها إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية في حين أنها هي الوحيدة التي استخدمت القنبلة الذرية حتى الآن.

في الواقع، إن الضغوط الغربية في هذا المجال تهدف إلى الحد من الاستقلالية الاقتصادية للدولة الإيرانية وذلك من خلال حرمانها من الصناعة النووية. من ناحية أخرى، تسعى إيران إلى تأكيد نفسها كقوة إقليمية من خلال إقامة روابط مع البلدان المجاورة، الأمر الذي يثير استياء عميقا لدى الولايات المتحدة بقدر ما يفخر النظام بالوقوف في وجه الغربيين ولا ينحني للشروط الأمريكية.

تنمية اقتصادية تعود بالنفع على كبار الشخصيات في النظام

رغم ذلك، تطورت الصناعة في إيران خلال العقود الأخيرة، وخاصة في قطاع إنتاج السيارات حيث يعمل الآن 500.000 عامل.

وقد ارتبطت الشركات المحلية سايبا وإيران خودرو مع شركات أجنبية مثل بيجو ورينو وكيا ومرسيدس بنز. ومع تجميع أكثر من مليون سيارة في عام 2008، تجاوز إنتاج السيارات إنتاج إيطاليا.

إن السوق الإيرانية تهم كثيرا الرأسماليين الأجانب وهم مستعدون لتحمل المخاطر فيها. وهكذا صرح المدير السابق لشركة بيجو-إيران في عام 2008، في صحيفة لو فيجارو الفرنسية: "إن سيارات بيجو الـ 206 والـ 405، المجمعتان في إيران، تمثلان نحو 30٪ من سوق السيارات الإيراني، وبيجو لن تتخلى عن أنشطتها في هذا البلد". وحدد: "...من الأفضل لنا الحفاظ على موقعنا في إيران. فهذا البلد غني بالنفط ويبلغ عدد سكانه، ذات القدرة الاستهلاكية المهمة، 70 مليون نسمة. إن نشوء حل وسط مع واشنطن من شأنه أن يساعد على عودة الشركات الأمريكية إلى هذا السوق".

وبموازاة ذلك، تطورت برجوازية إيرانية أيضا، بفضل السوق المحلية، وقد دعمتها السلطة عبر سياسة الخصخصة التي قامت بها.

فتم بيع عشرات المؤسسات الصناعية إلى مدراءها بـ "أسعار متساهلة" (حسب صحيفة لوموند ديبلوماتيك).

وعلى الرغم من هذه الخصخصة، كانت معظم الصناعات الثقيلة، كالاتصالات، والنقل العام، والطاقة وقطاع التعدين، والتجارة الخارجية كانت لا تزال تحت سيطرة الدولة عام 2006. لكن الخصخصة استمرت منذ ذلك الحين.

وطلب المرشد الأعلى آية الله خامنئي من الحكومة تسريع عمليات الخصخصة كما طلب بحماية قانونية أفضل لحقوق الملكية، ووفقا لتعبيره، من اجل "تشجيع زيادة الاستثمار الخاص".

وكانت مصفاة هفت تأبه للسكر من بين الشركات الكبرى التي تمت خصخصتها، وهي كانت في الأصل واحدا من المشاريع الصناعية الكبرى للشاه. فقد بدأت في عام 1975 باستثمار 12.000 هكتار من قصب السكر في عربستان وكانت إحدى أكبر منتجي السكر المكرر في العالم. وقبل بضع سنوات من الآن، بلغت طاقتها الإنتاجية أربعة أضعاف ما كانت عليه في عام 1979.

وفي عام 2007، قررت الحكومة خصخصة المصنع وتم التنازل عنه لآية الله جنتي الذي يشغل أيضا منصب رئيس مجلس صيانة الدستور. إن مرور مثل هذه الشركة إلى يد مالك خاص لا يأتي بأي شيء حسن ونتيجته بعيدة كل البعد عن تعزيز التنمية الصناعية. فهذا البرجوازي، رغم كونه آية الله، يتوق بطبيعة الحال إلى تحقيق أرباح ويتصرف وفقا لذلك كما هو حال كل برجوازي. وهكذا سعى لبيع المصنع والأرض، وذلك لأن الفائدة الفورية لهذه العملية العقارية، هي أكبر من فوائد الإنتاج بشكل أكيد.

والخصخصة لم تفد كبار رجال الدين فقط، بل أيضا جيش حرس الثورة الذي ازداد نفوذه السياسي والاقتصادي.

فبعد نهاية الصراع ضد العراق، ومنذ التسعينيات، حصل أعضاء من حرس الثورة على مناصب رئيسية في مختلف الأمكنة: في الحكومة وفي الوزارات وفي المحافظات. كما أن قادة هذا الجيش، المؤثرين بشكل متزايد في جهاز الدولة، يسيطرون أيضا على العديد من الأنشطة الاقتصادية والمالية. فهم يمتلكون الموانئ التجارية والمطارات وشركات الطيران المدنية، والعديد من الشركات في قطاعات مختلفة جدا، كما يديرون جزء من قطاعات النفط والأسلحة. كما يسيطر هؤلاء أيضا على مؤسسات خيرية تدير رؤوس أموال كبيرة، كمؤسسات المساعدة الاجتماعية للفئات الأكثر حرمانا. وتخرج هذه المؤسسات شبه العامة عن سيطرة الإدارة وتعفى من الضرائب. ويميل زعماء جيش حرس الثورة إلى تعزيز قبضتهم على أي شيء يجلب المال. إنهم يشكلون شريحة جديد من البرجوازية، المتفانية لنظام رجال الدين الذي يوفر لهم الفرصة للاغتناء.

لكن هذه الحالة بالتأكيد لا ترضي بعض شرائح رجال الدين والبرجوازية التي فقد العديد من وجهائها مناصبا ونفوذا لصالح قادة الباسدران. كما فقدت برجوازية البازار أيضا سيطرتها الكاملة على التجارة مع تطور مراكز التسوق في ضواحي المدن الكبيرة.

ويبدو الرئيس السابق رفسنجاني الممثل عن استياء هذا الوسط. فمعارضته المعلنة للرئيس أحمدي نجاد قد أدت مؤخرا إلى اعتقال أفراد من عائلته. وقد حصل الأمر ذاته مع وجهاء مؤثرين اخرين.

وساهمت كل هذه التطورات إلى تحويل مركز جاذبية المجتمع الإيراني إلى المدن حيث الطبقة العاملة تحظى بأهمية متزايدة مع

كل التناقضات الاجتماعية التي تترتب عليها.

وبعد فترة قصيرة من وصوله الى السلطة في 2005، أعلن أحمدي نجاد عن رغبته في "وضع أموال النفط على طاولة الايرانيين". وهكذا، حاول كسب تأييد الفئات الأكثر فقرا من خلال تسهيل الائتمان وتوزيع بعض المساعدات الاجتماعية، وذلك باستخدام جزء من العائدات النفطية الذي كانت تتزايد مع ارتفاع أسعار النفط الخام. كما أنه منح زيادة مهمة في الأجور ولكنها سرعان ما تلاشت بسبب التضخم الكبير للأسعار.

الهجوم على العمال

والتدابير الحكومية، مثل المساعدات والقروض المصرفية التي تمنحها المؤسسات العامة والخيرية، لا تكفي أبدا للتعويض عن التضخم المزمن وتدني الأجور والبطالة. خاصة وأنه حصلت الكثير من عمليات تسريح العمال منذ سنتين، فازدادت مؤخرا البطالة.

بشكل عام، عقود العمل قصيرة إذ لا تشكل العقود الدائمة إلا حوالي 20% من المجموع. والرواتب منخفضة جدا أيضا وغالبا ما تتراوح بين ما يعادل الـ 100 و200 يورو شهريا. ناهيك عن أنه غالبا ما تدفع الأجور بعد أشهر من التأخير، حتى تصل إلى سنة في بعض الحالات.

بالنسبة للعمال، من حيث الحقوق وإمكانية التنظيم، فإن الوضع ليس أفضل اليوم مما كان عليه أيام الشاه. فالمنظمات العمالية الوحيدة المعترف بها هي المجالس الإسلامية للعمل التي يعين قادتها من قبل النظام.

ولكن النضالات العمالية لا زالت موجودة، وإن كان من الصعب جدا خوضها في بعض الأحيان، مثل نضال عمال مصفاة هفت - تابيه للسكر حيث طالبوا بإقالة المدير وبحل المجلس الإسلامي للعمل مطالبين بالحق في تأسيس نقابة مستقلة عن السلطات. وقد قامت ميليشيات النظام بالاعتداء على المضربين، وتم قمع مظاهراتهم واعتقال العديد من العمال الذين كانوا في المقدمة. ومع ذلك، لم تتوقف الحركة، وطالب العمال بالإفراج عن رفاقهم. وفي عام 2009، ولدت نقابة عمال السكر، وهي نقابة لا تخضع للملالي.

وعلى الرغم من منع الإضرابات والنقابات المستقلة عن السلطة، لا يزال العمال يكافحون لفرض مطالبهم وأحيانا لفرض وجود نقابة مستقلة.

وهكذا تم إنشاء نقابة عمال شركة حافلات طهران. وبقيت هذه النقابة سرية تماما إلى أن افلحت بتنظيم إضراب ناجح في عام 2005 لزيادة الأجور. وسرعان ما وقع القمع على قادة النقابات الذين عوقبوا بالسجن لعدة سنوات. وبعد إضراب آخر لعمال الحافلات في كانون الثاني / يناير 2006، ألقي القبض على أكثر من ألف منهم.

إن المعلومات عن الطبقة العاملة غير منتظمة وجزئية. فهي تسمح فقط بالتأكيد ـ على الرغم من الدكتاتورية ـ بأن العمال الإيرانيين يجرؤون بالدفاع عن أنفسهم ويحاولون في نفس الوقت تنظيم أنفسهم للقيام بذلك.

وما يمكن إضافته هو أن حالة العمال تزداد سوءا مع تداعيات الأزمة. إن البطالة، على أية حال، تزداد سوءا. فإذا كان معدل البطالة الرسمي هو 12%، فان تقديرات أخرى تشير الى 30%. ولكن ماذا تعني هذه الأرقام عندما لا يكون لدى الغالبية العظمى من العمال وظائف ثابتة؟ وتزداد بطالة الشباب سوءا أيضا.

والشباب العمالي أصبح مختلفا عن نظيره في عام 1979، فهو لم يعد أكثر عددا فقط، بل أيضا أكثر تعليما وأكثر استنارة.

وثمة عامل آخر يمكن أن يسهم في تدهور حالة العمال، والطبقات الشعبية بشكل عام. فإن مستوى الدخل المنخفض جدا لهذه الطبقات، يتم التعويض عنه إلى حد ما، وكما هو الحال في كثير من البلدان الفقيرة الأخرى، عن طريق إعانات ودعم الدولة للسلع والاحتياجات الأساسية.

ومنذ أن حلت الجمهورية الإسلامية محل النظام الملكي، كانت المحاصيل الأساسية - القمح والسكر والغاز والبنزين وغيرها من السلع - مدعومة بشكل كبير من قبل الدولة. وكان القصد من هذا التدبير مساعدة أفقر الناس.

ولكن منذ عام 2009، ارتأت حكومة أحمدي نجاد خفض أو حتى إلغاء هذه الإعانات. والبرلمان يدعم مشروع الإنهاء التدريجي لها على مدى خمس سنوات. وإن تم تخصيص بعض الإعانات لأفقر الناس بهدف الحد من آثار إلغاء الدعم عن السلع الأساسية عليهم، ولكن هذه المساعدات لا تعوض إلا جزئيا زيادة الأسعار. فسعر لتر البنزين المدعوم يبلغ 100 تومان ولكنه يكلف أربعة أضعاف ذلك دون الدعم.

وأمام التخوف من أن يؤدي رفع الدعم إلى احتجاجات، كما حصل في عام 2007 حين سببت خطة تموين البنزين باندلاع لأعمال عنف وعصيان في طهران، عارض البرلمان في نهاية عام 2009 الغاء الدعم بشكل كلي، ولا سيما في مجال الطاقة. فعى الرغم من أن الحكومة تحاول الحفاظ على الطابع الشعبوي للنظام الإسلامي، فإنها سوف تكون عالقة بشكل متزايد بين ما يترتب على هذه السياسة الشعبوية من تدابير لصالح أفقر الناس، وجشع الفئة الغنية الجديدة المتواجدة في صفوف السلطة. وهذا التردد حول مسألة رفع الدعم التمويني يعكس هذه المخاوف المتناقضة للسلطة.

ما الذي يبحث عنه المعترضون على السلطة الحالية؟

إلى أي مدى يتأثر العمال بالاحتجاج السياسي؟ هل ينظرون إليه بتعاطف أو لامبالاة؟

تواجه الحكومة بالاحتجاجات المتزايدة، بل يبدو أن جزءا من سكان المدن الصغيرة الريفية والمدن المتوسطة الحجم قد شاركوا في الاحتجاج في نهاية عام 2009، في حين أن جمهور الريف كان حتى ذلك الوقت داعما للسلطة.

 ويبدو أن الحراك قد تطور بشكل خاص في أوساط شباب البرجوازية الصغيرة المعادية للنظام والتي تميل إلى الغرب.

السياسيون المعارضون والمحتجون على الحكومة يتكلمون بصوت من يريد، من بين أفراد البرجوازية، تطوير العلاقات مع الدول الأجنبية. إن العلاقات الاقتصادية الدولية موجودة على الرغم من الحظر. وإنه من المرجح أن جزءا من البرجوازية يرغب في تعزيز هذه الروابط وفي إخراج بلادهم من العزلة السياسية، وإعادة العلاقات مع الولايات المتحدة خاصة وأن أوباما قد أطلق تصريحات تتيح بهذه الامكانية.

ولهذا السبب كان رفسنجاني المرشح المفضل للقوى الغربية في انتخابات الرئاسة عام 2005 والتي فاز بها أحمدي نجاد.

 ولكن أولئك الذين يسيطرون حاليا على جهاز الدولة بالاعتماد على القومية وجيش الباسدران يمثلون عقبة أمام هذا الانفتاح.

وكان موسوي، المرشح الخاسر مقابل أحمدي نجاد، قد وعد أثناء حملته الانتخابية بتحرير الاقتصاد وانخفاض البطالة، ذلك دون طرح أية إعادة نظر بالنظام الثيوقراطي.

إذن، فإن لدى جزء من المسؤولين في النظام خطاب يعد بشكل من الديمقراطية إرضاء للغربيين، في حين يحتفظ رجال السلطة بخطاب مناهض لأمريكا.

ومتظاهرو الحركة الخضراء لم يعرفوا عموما سوى نظام الجمهورية الإسلامية والقيود التي تفرضها. وقد يكون ما شجعهم على الاحتجاج هي النزاعات الموجودة داخل جهاز الدولة والجلية أكثر فأكثر، حتى لو لم تكن جديدة. ومن الممكن أيضا ان يكون الامر معكوسا حيث توفر الحركة الاحتجاجية المتطورة على نطاق أوسع، المجال لبعض المتنافسين على السلطة من داخل النظام، بالبروز والظهور كمعارضين محمولين بموجة الاحتجاجات.

على أية حال، يبدو أن المجموعة التي تنافس القادة الحاليين على السلطة تأمل في الاستفادة من تراكم السخط للوصول إلى الحكومة من خلال "ثورة خضراء" كما يدعو لذلك موسوي، وهي ثورة لا تحمل سوى الاسم، كما كان الحال في أوكرانيا مع "الثورة البرتقالية".

 وقد يشكل خاتمي أو موسوي حلا بديلا من داخل النظام الثيوقراطي نفسه.

رغبات القوى الامبريالية

 وبخصوص تطور النظام في المستقبل، فالمهم ليس فقط ميزان القوى بين الطغم المتنافسة على السلطة. فلا يمكننا تجاهل الضغوط بل والتدخل المباشر للقوى الإمبريالية الكبرى، ولاسيما الولايات المتحدة. فهذه الاخيرة قد يكفيها تغيير يقتصر على قمة الدولة، حيث يتم استبدال القيادات الأكثر شعبوية والأكثر معاداة لأمريكا بأفراد يرغبون في الانفتاح على الغرب على المستوى الدبلوماسي وعلى المستوى التجاري. ولن يزعجهم الامر أن يكون هؤلاء القادة قد تلقوا خبراتهم داخل النظام الإسلامي. فقادة القوى الإمبريالية يعرفون كيف يحتفلون بشكل لائق عودة الأطفال الضالين.

ومن جهة أخرى، فإن "الانتقال السلس" بين أحمدي نجاد ورئيس آخر، دون المس بالنظام، سيكون له الفضل بعدم السماح للجمهور بالحراك. ففي حال اتسع الحراك، من الممكن أن تطرح الطبقات الشعبية مطالب غير مؤاتية للطبقة الحاكمة المحلية ولا للإمبريالية.

وإذا كانت واشنطن قادرة على التصفيق لثورات "قوس قزح" في أوروبا الشرقية وفي أسيا الوسطى، فإن السبب الرئيسي هو عدم كونها ثورات، لا من قريب ولا من بعيد. فمن أوكرانيا إلى قيرغيزستان، من الثورة "البرتقالية" إلى ثورة "الزنبق"، فإن الجماهير مدعوة فقط للإشادة بتغيير الفريق الحكومي، والذي أعد في الحلقات القيادية الضيقة وحسب ما أوصت به القوى العظمى.

تطلعات الطبقات الشعبية ودور الطبقة العاملة

أما كل من ينتمي من قريب أو بعيد إلى الطبقة العاملة، فيمكنه التفاؤل بمجرد رؤية المخاوف التي تساور القوى العظمى والبرجوازية الإيرانية أمام هذا الحراك.

بقدر ما نعرفه، لم تتدخل الطبقة العاملة حتى الآن في الاحداث الجارية حاليا في إيران. ولكنه يمكننا ببساطة الافتراض أنه إذا ما استمرت الاحتجاجات وإذا ما تخللتها صدامات، فإن الطبقة العاملة قد تنجذب الى هذا الحراك. ومن الممكن أن تؤثر المطالب المطروحة بخصوص الحرية والديمقراطية على الطبقة العاملة، فهي تعاني من دكتاتورية الملالي. فعندما يناضل العمال في سبيل تحسين الأجور أو لإنشاء نقابة، فإنهم يصطدمون بـنفس "حراس الثورة" الذين يصطدم بهم الطلاب.

ولكنه في غموض العبارات تكمن كل المكايد التي تنتظر الطبقة العاملة بالشكل الذي تأخذه الاحتجاجات اليوم. فكلمه "الحرية"، على سبيل المثال، إذا كانت تعني بالنسبة لجميع من يعاني من ثقل الدكتاتورية حالة لا يتعين عليهم الخضوع لها، فإنها تعني بالنسبة لقادة الحركة مجرد حرية إعادة التواصل مع الغرب، وبشكل عام، كما لأية برجوازية، حرية استغلال العمال.

فإذا كانت الطبقة العاملة، عند دخولها الحراك، لا تريد أن تكون تحت رهن الحركة الخضراء، وترفض لعب دور ورقة ضغط يستخدمها المتنافسون على السلطة بوحه خصومهم، فيجب عليها إعطاء الشعارات الملتبسة كـ "الحرية" و"الديمقراطية"؛ محتوى آخر يخصها هي، كفرض حرية

الإضراب وحرية إنشاء المنظمات السياسية والنقابية وحرية النضال لأهداف تخص الطبقة العاملة.

اما بخصوص الديمقراطية، فلن يكون هناك المزيد من الديمقراطية بالنسبة للعمال في ظل نظام ثيوقراطي، وإن كان أكثر مرونة ومناصرة للغرب. فلن يكون للطبقة العاملة حقوق ديمقراطية سوى تلك التي ستكون لها القوة والإرادة لفرضها. ولهذا فهي بحاجة لبناء المنظمات التي تمثلها على الساحة السياسية.

إذا، هل سيكتفي العمال بالإطاحة بطغمة تهيمن السلطة لتبديلها بطغمة أخرى؟

فحتى لو دخلوا الحراك، إذا اكتفى العمال الإيرانيون بالكفاح ضد أحمدي نجاد وخامنئي، أي المسيطرين حاليا على جهاز الدولة، فإنهم سوف يفيدون قادة دينيين آخرين، أو دينيين معتدلين كموسوي، أو حتى غير دينيين، لإقامة نظام موال للغرب. وهذا لن يغير شيئا من مصيرهم كعمال ومصير سائر الفقراء في إيران.

سوف يكون ذلك نوعا من تكرار معكوس للإطاحة بالنظام في عام 1979.

ومن بين الأشياء العديدة التي نجهلها للأسف عن الحالة في إيران، هناك واحدة قد تكون ذات اهمية حاسمة: ما الذي بقي من الحركة الثورية لـعام 1979 في ذاكرة العمال الجماعية؟ إن عام 1979 بعيد زمنيا بالطبع. حتى أن جيلا كاملا قد مضى. ولكن التجربة الجماعية العميقة للطبقة المضطهدة تتوارث أحيانا عبر الأجيال. ففي عام 1979، كانت الطبقة العاملة مشاركة كليا في الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالشاه. ولم يكن محسوما بأن رجال الدين هم الذين سوف يسطرون سياسيا على الانتفاضة.

والطبقة العاملة، التي كان لديها خلال هذه الاحداث تقاليد نضالية وتنظيمية، كانت كفاحية وشجاعة ولم تفتقر إلى التصميم للمضي قدما حتى الإطاحة بالنظام المكروه.

إنها المنظمات السياسية التي لم تكن بمستوى المسؤولية، ولاسيما تلك التي ادعت، من قريب أو بعيد، بقيادة الطبقات الشعبية. فلا توده ولا مجاهدي خلق ولا الفدائيون قد قدموا سياسة تخدم الطبقة العاملة. إذ كان بمقدورهم تقديم سياسة معادية لاستيلاء الملالي على السلطة، ولكنهم لم يفعلوا ذلك.

يمكننا الاستنتاج أن الأسلوب الوحيد الواعي لمعارضة الملالي كان في انتهاج سياسة تمثل مصالح الطبقة العاملة بشكل كامل وثابت. فهناك فترات تاريخية لا تحتمل قلة الدقة أو التدابير الجزئية. والفترات الثورية هي من بين هذه الفترات.

في الحالة الراهنة وبحدود معرفتنا بالأحداث الجارية، الأمر ليس بمقارنة الاحتجاجات الحالية بالاحتجاجات التي واجهت الشاه ابتداء من عامي 1976-1977، لتؤدي إلى انتفاضة عامي 1978-1979.

وقد يكون نظام أحمدي نجاد لا يزال يحتفظ بدعم لدى الطبقات الشعبية، على أي حال في صراعه مع من يسمون أنفسهم "الإصلاحيون". إن هذا الدعم الشعبي الذي يسمح للحكومة في الوقت الراهن بمواجهة الاحتجاجات وكذلك الضغوط التي تفرضها الدول الكبرى.

ولكن بوجود القمع العنيف، والذي قد يتزايد، من قبل الشرطة والاعتقالات، يجعل من الصعب التكهن بأي اتجاه ستتطور به الحركة. والحكومة محقة بالتخوف من أن يؤدي القمع، حتى وإن اقتصر على استهداف الطلاب المحتجين، إلى أثارة ردود فعل في صفوف الشباب بشكل علم، بل وحتى لدى الطبقات الشعبية.

وحتى إذا لم يكن من المؤكد بأن تؤدي الاحتجاجات الطلابية المطالبة بمزيد من الحرية إلى استقطاب شباب الطبقات الشعبية وخاصة الشباب العمالي، فإنه لهذا الاحتمال ينبغي أن يستعد أولئك الذين يصطفون في معسكر الطبقة العاملة. وهذا ما نأمل أن يفعله كل من في أوساط العمال أو المثقفين، قد فهموا خلاصة ما حدث في عام 1979. وأن يقوم هؤلاء بتحديد أهداف واضحة، لا تقوم تذويب العمال في الاحتجاجات خلف الطلاب ولاسيما تحت إشراف الحركة الخضراء، بل تسعى على العكس إلى فصلهم عنهم. على هذه الأهداف أن تؤكد مطالبا تلتف حولها الطبقة العاملة، مطالبا مادية واقتصادية وسياسية.

فإن مجرد تغيير الطغمة في السلطة لن يغير شيئا للغالبية الساحقة من الطبقات الشعبية.

ولكن الطبقة العاملة المنظمة والمصممة على الدفاع عن مصالحها السياسية، وفي الوقت نفسه أيضا عن المصالح السياسية للطبقات الشعبية الأخرى وفي المقام الأول الفلاحين، تستطيع تغيير موازين القوى بين الطبقات الاجتماعية والتأثير على الحياة السياسية في البلاد.

إن الطبقة العاملة موجودة فعليا في المجتمع الإيراني. ولكنها هل سوف تكون حاضرة غدا على المسرح السياسي؟

وهل ستجد قيادة تتناسب حقا مع مصالحها؟

إنها المسالة الرئيسية في المرحلة القادمة.