الأسس البرنامجية لسياستنا - 2004

Drucken
ترجمة

مجلة النضال الطبقي - فرنسا  - العدد  77  - ديسمبر 2003 - يناير 2004
الرابط نحو النص الاصلي https://mensuel.lutte-ouvriere.org//documents/archives/la-revue-lutte-de...

 

كتب ماركس و إنجلز في البيان الشيوعي، سنة 1848، بأن : "عصرنا، عصر البرجوازية، يتميز بتبسيطه التناحرات الطبقية. فالمجتمع كله ينقسم أكثر فأكثر إلى معسكرين كبيرين متعاديين، إلى طبقتين كبيرتين متجابهتين مباشرة : البرجوازية و البروليتاريا."

و أكد قرن و نصف من التطور التاريخي صلاحية هذا القول الذي يعتبر أساس برنامج و ممارسة الثوريين البروليتاريين.

منذ مطلع القرن 16، أدى تطور البرجوازية و الإنتاج الصناعي و المبادلات مع أمريكا و إفريقيا و الهند إلى اتساع التجارة العالمية - التي اتخذت غالبا شكل النهب - و بالتالي قيام سوق عالمي و أسواق داخلية.

نتج عن توسع التصنيع هجرة قروية إلى المدن و تنامي هذه الأخيرة، وكذا ظهور بروليتاريا صناعية، كانت تعمل في ظروف جد صعبة، و تتكدس في أكواخ غير صحية بالقرب من أماكن الإنتاج.

مع الثورة الصناعية في مطلع القرن 19 تطور السوق العالمي بشكل هائل، و سمح تصنيع أوربا الغربية و الساحل الشرقي للولايات المتحدة بتـقـسيم عالمي حقيقي للعمل و ميلاد بروليتاريا عصرية.

و قد أتاح نمو وسائل الإنتاج الصناعي و الزراعي ، المرتبط بنمو البرجوازية، خلق الأسس الاقتصادية التي من شأنها تلبية كل حاجيات سكان العالم المادية منها و الثقافية.

و أصبح من الممكن بناء مجتمع عالمي خال من المجاعة و الفقر و الاستغلال و الاستلاب. هذا هو المجتمع الشيوعي الذي نهدف تشييده.

في هذا الإطار، لن يعود التزايد السكاني المضطرد الملحوظ في عدة دول نامية مشكلا في حد ذاته، على عكس ما يقوله بعض علماء الاقتصاد الذين يعتبرونه سببا للتخلف. حيث لاحظنا كيف أدى تقدم مستوى العيش و الثقافة في الدول الغربية إلى استقرار التزايد السكاني بل و تراجعه، و لا يزداد عدد الساكنة فيها إلا بفضل الهجرة القادمة من الدول الفقيرة.

لا يمكن إذن تصور نضال البروليتاريا محصورا داخل حدود وطنية. بل يجب رؤيته كنضال عالمي يهدف إلى الإطاحة بقوة البرجوازية الاقتصادية و السياسية و تنظيم الطبقة العاملة كطبقة مهيمنة اقتصاديا و سياسيا على المستوى العالمي. إن الأممية ليست مجرد تضامن، بل إنها تعبير عن وحدة جوهرية في المصالح و الأهداف. بالتالي هذا يعني سياسيا بأنه : "في مختلف النضالات البروليتارية القطرية، يدافع الشيوعيون عن المصالح المشتركة لكل البروليتاريا بغض النظر عن الانتماء القومي" كما جاء في البيان الشيوعي. فالثورة الروسية إن عرفت الانحلال البيروقراطي الكارثي الذي مثله ستالين فإنما بسبب عزلتها.

لا يمكننا تصور كسب جزء من الطبقة العاملة و الطبقات البروليتارية الأخرى، المستغلة بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى الفكر الشيوعي الثوري و إلى مهمة بناء حزب شيوعي ثوري هنا بفرنسا، إلا في إطار بناء أممية، أي حزب عالمي للثورة الاشتراكية أو على الأقل في أفق بنائها.

و لكن رغم غياب أممية من هذا القبيل ، يجب علينا باستمرار و قدر الممكن أن ننظر لقضايا البروليتاريا السياسية، و قضايا المجتمع الفرنسي بشكل عام، حسب مصالح البروليتاريا العالمية السياسية و الاجتماعية.

يعتمد برنامجنا السياسي في أسسه على المكاسب السياسية للحركة الشيوعية الثورية، أي على الأرضية البرنامجية التي تم عرضها في البيان الشيوعي و المؤتمرات الأربع الأولى للأممية الشيوعية و البرنامج الانتقالي، برنامج الأممية الرابعة التأسيسي.

إن البيان الشيوعي في سنة 1948 لما أكد على أن : " البروليتاريا ستستخدم سلطتها السياسية لتنتزع من البرجوازية تدريجيا، رأس المال كله، ولـتمركز أدوات الإنتاج كلها في أيدي الدولة، أي في أيدي البروليتاريا المنظمة في طبقة سائدة..." إنما أبرز دور البروليتاريا الذي لا بديل له في التغيير الاجتماعي.

فقرة البيان الشيوعي، المذكورة أعلاه، تدلينا أيضا بالمغزى الصحيح لمفهوم "دكتاتورية البروليتاريا"، و التي قال عنها ماركس، سنة 1952، بأنها الحكم الديمقراطي ﻟ " البروليتاريا المنظمة في طبقة سائدة" (معنى دون علاقة بالتحريف الذي أدخله الستالينيون لتبرير دكتاتورية البيروقراطية في الإتحاد السوفييتي). و ينحصر طابعها الدكتاتوري في وظيفتها الأساسية و هي "الانتهاك الاستبدادي لحق الملكية ولعلاقات الإنتاج البرجوازي... وهي تدابير لا غنى عنها كوسيلة لقلب نمط الإنتاج بأسره".

للدولة البرجوازية طابع دكتاتوري حتى و إن اتخذ الحكم فيها أكثر المظاهر ديمقراطية. فوظيفتها الجوهرية هي الدفاع عن الملكية و نمط الإنتاج البرجوازي، و خلف المؤسسات الانتخابية يفرض الرأسمال الكبير السياسة التي تخدم مصالحه.

أما نظام الحكم البروليتاري فسيكون على النقيض تماما. "الدكتاتورية الديمقراطية البروليتارية" ستكون تلقائيا أعمق ديمقراطية من أكثر الأنظمة البرجوازية ديمقراطية. و حكم البروليتاريا السياسي ليس أبديا، بل سيزول و يترك مكانه ﻟ "تجمع تشاركي، يكون فيه التبسط الحر لكل فرد شرطا للتبسط الحر للجميع".

إن المفهوم الماركسي للدولة، دورها و طبيعتها، برجوازية اليوم و بروليتارية بعد الثورة ، ثم حتمية زوالها تدريجيا مع تحول المجتمع ، قد عرضه و دافع عنه لينين في أغسطس 1917، و ذلك فيما بين ثورة فبراير 1917 التي أطاحت بنظام القيصر و ثورة أكتوبر- نوفمبر من نفس السنة و التي أطاحت بالبرجوازية.

أعاد لينين في كراسة "الدولة و الثورة"، في أغسطس 1917، أفكار ماركس في هذا الخصوص إلى أصلها بعد أن حرفها الانتهازيون المدعين للماركسية. و وضح فيها أفكار ماركس و إنجلز في ضوء ثورتي 1905 و فبراير 1917 الروسيتين و في ضوء ظروف الأزمة الثورية التي كتبت الكراسة فيها.

من دروس المؤتمرات الأربع الأولى للأممية الشيوعية نستمد قناعتنا بأن البروليتاريا لا غنى لها عن حزب يمكنها من تحقيق الثورة الاشتراكية. "هناك حالة وحيدة تكون فيها البروليتاريا موجهة من طرف حزب منظم و متمرس ، يتابع أهدافا واضحة و محددة، و يملك برنامج عمل قابل للتطبيق في المجال السياسي الداخلي و الخارجي، قلنا في هذه الحالة يمكننا اعتبار الاستيلاء على السلطة ليس كمجرد حدث تاريخي و إنما كبداية لمباشرة عمل مستمر في سبيل تشييد المجتمع الشيوعي من طرف البروليتاريا". (نص تبناه المؤتمر الثاني للأممية الشيوعية).

الموقف من ضرورة هذا الحزب لا تفصلنا فقط عن الفوضويين، بل و كذلك عن تيارات، متعددة حاليا، ترفض رفضا قاطعا فكرة التنظيم السياسي للطبقات المستغلة و المضطهدة مثل "الحركات المجتمعية" التي تخفي دائما أهدافا سياسية إصلاحية بل و رجعية تحت غطاء اللاسياسية.

هذا يميزنا أيضا عن أنصار "الحزب العمالي الجماهيري" إذ أن حزبا يعمل في سبيل التغيير الثوري للمجتمع لا يمكنه أن يكون حزبا جماهيريا إلا في مرحلة مد ثوري، أي خلال مرحلة تقتنع فيها غالبية كبرى من الطبقة العاملة نفسها بضرورة الاستيلاء على السلطة السياسية. إن مفهوم "الحزب العمالي الجماهيري" هو ملاذ يستعمله عامة من يريدون الدفاع عن سياسة إصلاحية. فمجموع العاملين ليس ثوريا في الظروف العادية. على العكس، إن الجماهير إصلاحية عادة و لا تع ضرورة التغيير الجذري إلا في ظروف تاريخية حرجة. أما خارج هذه الظروف الخاصة، فلا يمكننا أن نكسب إلى الأفكار الثورية إلا أقلية من العاملين.

البرنامج الانتقالي (سبتمبر 1938) امتداد للنصوص البرنامجية الثورية التي سبقـته. علاوة على تشخيصه للانحلال البيروقراطي لأول دولة عمالية و دفاعه عن البرنامج الشيوعي أمام التحريفات الستالينية ، فقد وضح ماهية "المطالب الانتقالية" التي وضعها في الواجهة : " مطالب تنطلق من الظروف و من مستوى الوعي الحاليـين لشرائح واسعة من الطبقة العاملة و تصب كلها بثبات إلى خلاصة وحيدة : استيلاء البروليتاريا على السلطة". هذا المفهوم يعارض بالتالي الفصل بين البرنامج الأدنى الذي كان يقتصر على إصلاحات داخل المجتمع البرجوازي و بين البرنامج الأقصى الذي كان يتعهد باستبدال الرأسمالية بالاشتراكية في مدى غير محدد.

هذا البرنامج الانتقالي هو من هدانا، في ضوء الوضعية الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية الراهنة،إلى تبني مطلب "منع التسريحات الجماعية" و ذلك تحت طائلة مصادرة الشركات المخالفة، و خاصة منها من تحقق أرباحا. هذا مطلب انتقالي لأنه يستدعي نضالا اجتماعيا ذا مستوى قادر على استهداف الملكية الخاصة الرأسمالية.

ندافع عن مطلب انتـقالي آخر و هو "إلغاء سرية العمليات التجارية و البنكية" مع تخويل مراقبتها للبروليتاريا. طبعا إذا ظل إعلان حسابات الشركات و شفافية العمليات البنكية مجرد نصوص قانونية أو إذا اقـتصر حق فحص و مراقبة حسابات الشركات على منظمات التعاون الطبقي، مثل "لجان الشركات"، فإن هذا المطلب سيفقد طبيعته الثورية ليتحول إلى مطلب إصلاحي دون جدوى. أما إذا كانت البروليتاريا هي من تقوم بتطبيقه فذلك سيؤديها إلى مراقبة حسابات الشركات و البنوك و التدخل في سياستها الإدارية، و في آخر المطاف إعادة النظر في احتكار البرجوازية الكبيرة للرأسمال الصناعي و التجاري و البنكي.

يعتبر كتاب البرنامج الانتقالي أيضا مفتاحا لفهم الانحلال البيروقراطي الذي حصل في أول دولة عمالية في التاريخ و لفهم كل التحريفات التي أدخلتها الستالينية في البرنامج و القيم الجوهرية للحركة العمالية. لقد دافعنا دائما عن تحليل تروتسكي أمام التيارات المتعددة التي تخلت ، قبل وفاة تروتسكي و لا سيما بعد ذلك، عن مفهوم الدولة العمالية المنحلة و هي بذلك إنما تخلت في الواقع عن مفهوم الدولة العمالية في حد ذاته.

نحن لم نعد النظر جوهريا في تقييم تروتسكي لطبيعة الإتحاد السوفييتي إلى الآن، رغم أن هذا الأخير أصبح متفككا و أن كل قيادته تقريبا تعمل على رجوع الرأسمالية. و نحن بهذا نتموقع في إطار مواصلة معركة تروتسكي السياسية. فإلى اليوم، لا يمكننا فهم بعض سمات المجتمع السوفييتي سابقا دون استدلال يرتكز على تحليل تروتسكي، لا سيما و أن سير البرجوازية لبسط سيادة تامة على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي لا يزال بعيدا عن مبتغاه.

كانت الأممية الرابعة منذ أسسها تروتسكي سنة 1938 إلى غاية وفاته سنة 1940 الوريث السياسي الوحيد، في الواقع، للحركة التي تعاقبت على تمثيلها الجمعية الدولية للعاملين مع ماركس و إنجلز و بعدها الأممية الثانية حتى الحرب العالمية الأولى ثم الأممية الشيوعية لسنوات 1919ـ1923.

و إن لم تصمد الأممية الرابعة، كقيادة عالمية، أمام اندلاع الحرب العالمية الثانية إلا أن برنامجها التأسيسي (البرنامج الانتقالي) يظل، بغض النظر عن خصوصيات الظرفية التي كتب فيها، أفضل مرشد للثوريين البروليتاريين. و لهذا بالذات فإن المهمة الجوهرية لهؤلاء تكمن في إعادة بناء أممية شيوعية ثورية.

برنامجنا السياسي

إعادة بناء أممية تقتضي تشييد أحزاب بروليتارية في كل الدول، أحزاب تدافع عن الدور التاريخي للبروليتاريا. هذا لا يمنعها، طبعا، من الدفاع عن أهداف البروليتاريا الآنية، ولكن دون تغيـيب مصالح المجتمع ككل.

على مستوانا، هذا يعني أن على رفاقنا في المعامل المشاركة في المعارك النضالية، الصغرى منها كالكبرى، التي يخوضها العاملون المستغلون للدفاع عن قوت عيشهم، أي أن يكون لهم نشاط نقابي. ولكن في كل النضالات ضد البرجوازية و جهاز دولتها كما في النشاط النقابي فإن الثوريين الشيوعيين "يمثلون دائما مصالح الحركة في شموليتها" تبعا لتعبير البيان الشيوعي.

تشييد أحزاب بروليتارية حقة و النضال في سبيل الثورة الاشتراكية يقتضيان التحديد الواضح للأرضية الطبقية التي يعمل عليها الثوريون، سواء في المجال السياسي أو التنظيمي. أمام مختلف "التحالفات الجبهوية" التي تهدف إلى تسخير الطبقة العاملة في خدمة منظمات و مصالح البرجوازية، يجب على الثوريين الدفاع عن استقلال البروليتاريا، سياسيا و تنظيميا، و التركيز على دورها التاريخي، إرساء حكم بروليتاري ديمقراطي في إطار تعددية حزبية ثورية.

يعيد المجتمع البرجوازي إنتاج أشكال عدة من الاضطهاد و الإقصاء ضد النساء و الأقليات الوطنية والإثنية... إلخ. بل إنه يغذيها بخلق شرائح مهمشة جديدة كـ"البدون أوراق" و "البدون سكن". مما يؤدي إلى احتجاجات ظرفية أو مستمرة، على غرار ما تسببه عادة مخلفات سير الاقتصاد الرأسمالي من اعتراضات.

على الثوريين الشيوعيين مساندة الاحتجاجات ضد سير المجتمع الرأسمالي، حتى و إن كانت جزئية أو محدودة، و لكن عليهم تجنب إضفاء طابع الثورية على هذه الحركات، فهذه ميزة يفتقدونها غالبا.

لقد شوهت الستالينية جل أهداف و مفاهيم الحركة العمالية و أفرغتهم من مضمونهم. هذا ما فعلت بمفاهيم "مناهضة الامبريالية" و "مناهضة الرأسمالية" و بل و حتى "الأممية". مما يتيح اليوم لتيارات عدة، لا تمت بصلة مع الحركة العمالية حاضرا كان أم سالفا، بأن تستحوذ على هذه المفاهيم و توظيفهم مفرغين من مضمونهم الأصلي. من هذه التيارات، على سبيل المثال، التيار المناهض للعولمة الذي يستقطب الساخطين على المخلفات الكارثية للاقتصاد الرأسمالي و ظلمه الجائر.

علينا أن نتميز بوضوح عن هذه التيارات، أن نرفع الإبهام الذي يكتنف خطابها و أن نفضح سياستها، فهي وراء طابعها الاحتجاجي تخفي في الحقيقة عدم معارضتها للنظام الاجتماعي القائم.

لقد حرفت الستالينية أيضا تصور البلاشفة للحزب الشيوعي الثوري الذي تبنته الأممية الثالثة فيما بعد. فمن حزب ديمقراطي منتظم و وفي لمصالح البروليتاريا السياسية كان الحزب الستاليني يرتكز على الإطاعة العمياء. بهدف لجم أي نقد من شأنه فضح واقع سياسة الحزب. واقع يكمن في تخليه عن مصالح البروليتاريا لخدمة البيروقراطية السوفيتية و نهج سياسة أممية توافق مصالح هذه الأخيرة، تمثلت في تسخير الأحزاب الشيوعية في العالم بما يخدم برجوازيتهم الوطنية.

تحول الأحزاب الستالينية، تنظيميا و سياسيا، إلى مسار اشتراكي ديمقراطي قد أكمل التطور التاريخي الذي بدأ مع الثورة الروسية. إذ تخلت الأحزاب الشيوعية، و الحزب الشيوعي الفرنسي بشكل خاص، عن أي مرجعية شيوعية بدعوى مراجعة ماضيهم الستاليني. و ساهم هذا التحول في تراجع فكرة أن البروليتاريا في حاجة إلى حزب ديمقراطي منتظم و مركزي القرار إن هي أرادت التحرر من قيود الاستغلال. و قد مس هذا التراجع أيضا منظمات تدعي نهجا ثوريا و لكنها تعتبر اليوم بأن الحزب لم يعد الأساس في سبيل الثورة الاجتماعية.

تواجد أحزاب شيوعية ترفض الانصهار داخل جبهات واسعة هو ضرورة لا تقتصر على الدول الرأسمالية المتقدمة فحسب بل تشمل الدول "النامية" أيضا. الأمر يبدو واضحا فيما يخص الدول المتقدمة، حيث تحققت مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية، و تشكل البروليتاريا فيها طبقة قوية التعداد. أما في الدول النامية الخاضعة لسياسة النهب الامبريالي فلم يكتمل تحقيق مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية، و تعاني البروليتاريا، وهي غالبا ضعيفة عدديا، من استغلال سافر.

رغم خروج كل الدول الفقيرة تقريبا من وطأة الاستعمار المباشر لا تزال القبضة الامبريالية عليها قوية وهي تتمثل في هيمنة اقتصادية و سياسية متزايدة. أما حصيلة تحررها من الاستعمار فيكمن أساسا في استبدال المستعمر بشريحة حاكمة محلية تكلفت مكانه بمهام الاضطهاد و القمع. فالسلطة في هذه الدول هي غالبا دكتاتورية فاسدة، تستنزف شعبها و تأخذ نصيبها مما تبقى من الخيرات بعد اقتطاعات الامبريالية. بالتالي تظل التناقضات الطبقية داخل الدول الفقيرة جد انفجارية.

خلال المدة التي امتدت من اندلاع حركات التحرير الوطني إلى مرحلة ما بعد الاستقلال كانت طموحات الجماهير الواسعة إلى الديمقراطية و العيش الكريم تجد معبرا عنها ممثلا في منظمات برجوازية صغيرة وطنية و تقدمية إلى حد ما، بل تدعي الماركسية اللينينية بالنسبة للبعض منها.

إضافة إلى استنزاف الخيرات، خلفت سياسة النهب الامبريالي كذلك تراجع مستوى الوعي في هذه الدول. حيث تقهقرت قوى "الوطنية التقدمية" و "الوحدة الإفريقية" و "العالم-ثالثية" بكل أطيافها و دخلنا مرحلة مد القوى الرجعية، أصولية في بعض الدول و إثنية في أخرى. الهيمنة الامبريالية تجر الدول الفقيرة إلى بربرية القرون الوسطى، أي إلى حروب دائمة يسيطر فيها أمراء الحرب.

على الثوريين البروليتاريين، في كل الدول الفقيرة، أن يأخذوا على عاتقهم مهمة تحقيق طموحات الجماهير المناهضة للامبريالية و التواقة إلى نيل الحقوق و الحريات الديمقراطية. إن حزبا بروليتاريا حقيقيا عليه أن يطمح إلى قيادة هذه المعركة الديمقراطية و أن ينهج سياسة تبين أنه الطرف الوحيد القادر على مواصلتها حتى تحقيق أهدافها. و لكن عليه في نفس الوقت أن لا يخرج من أرضيته الطبقية و أن يحافظ بثبات على استقلاله الطبقي. هذا يعني توعية العاملين دائما بماهية مصالحهم و عما يفصلهم و يضعهم في تعارض مع الطبقات الاجتماعية الأخرى، التي من شأن ممثليها السياسيين استعمال خطاب "مناهض للامبريالية". هذا يضع الحزب في تعارض جذري مع الحركات الأصولية و الإثنية... إلخ، بل و كذلك مع المنظمات البرجوازية الصغيرة بما فيها المدعية للتقدمية.

إننا لم ندع أبدا بأننا نشكل أممية حتى بمفهوم الأممية الرابعة إبان تأسيسها. فرغم أن هذه الأخيرة كانت جد ضعيفة تنظيميا إلا أنها كانت تحت قيادة تروتسكي الذي كان يمثل لوحده الثروة السياسية الموروثة عن الثورة الروسية و الأممية الثالثة، إرث اختفى كليا تقريبا بعد وفاته. أما التيارات التروتسكية التي أعلنت نفسها أممية فيما بعد فإن دورها السياسي ظل جد هامشي، إذ لم تكن تستند على أي حزب ذا تأثير في بلده. بالتالي فإن ادعائها بأنها تشكل أممية إنما يغطي تخليها عن بذل المجهود اللازم للانغراس داخل الطبقات العاملة في بلدانها، أي تخليها عمليا عن بناء أحزاب شيوعية ثورية.

نعم لم ندع تشكيل أممية، و لكن في المقابل حاولنا دائما التفكير حسب مصالح البروليتاريا العالمية. و من هذا الباب كان تحليلنا للظواهر السياسية المستجدة منذ وفاة تروتسكي كالديمقراطيات الشعبية في أوروبا الشرقية أو الثورة الصينية، على سبيل المثال. في هذه المواضيع، تميزنا غالبا عن مجموع التيارات التروتسكية بل و تعارضنا معها. أما و قد زالت الديمقراطيات الشعبية فقد زال موضوع خلافنا. ولكن يظل بيننا اختلاف في طرق التحليل الاجتماعي حتى اليوم، و نجد هذا التباين في تشخيص طبيعة التيارات الوطنية المتواجدة في الدول الفقيرة، كما نجده في التعامل مع المنظمات الاشتراكية الديمقراطية و شبيهاتها المتعددة.

لقد اعتبرنا من واجبنا أيضا مساعـدة مناضلي دول أخرى على النشاط على أرضية شيوعية ثورية كلما أتيحت لنا الفرصة.

رغم نجاحاتنا الانتخابية النسبية، مقارنة مع ضعف تواجدنا داخل الطبقة العاملة، فإن مهامنا الجوهرية لم تتغير منذ عقدين أو ثلاث. فعلاوة على أن تأثيرنا الانتخابي يظل ضعيفا، فإنه في كل الأحوال لا يكفي لخلق الحزب الذي نصبو إليه.

علينا أن نضع أنشطتنا المختلفة في إطار أفق بناء حزب شيوعي ثوري بروليتاري. أفق لا يجب نسيانه عندما نشارك في المظاهرات التضامنية مع شعوب أو شرائح اجتماعية مضطهدة أو عندما نشارك في الانتخابات و هي مشاركة واجبة على الشيوعيين الثوريين.

بروز حزب ثوري بروليتاري لا يتوقف على إرادتنا فقط، بل يخضع كذلك للظروف الموضوعية و خاصة منها عودة ثقة البروليتاريا في قوتها، هنا بفرنسا أو في باقي الدول. و لكن ما يخضع لإرادتنا هو عدم التخلي عن الأفكار و البرنامج الموروثين عن قرن و نصف من تاريخ الحركة العمالية الثورية، و عدم إذابتهم في تحالفات و جبهات تتوخى نجاحات عابرة، بل يجب علينا العمل على تنظيم العاملين حول هذه الأفكار.

أما فيما يخص الظروف الملائمة التي ستسمح لنا غدا بجني ما نزرعه اليوم فإننا نستمد آمالنا عليه من كون أن التطور التاريخي سيعطي الحق لأهداف الحركة العمالية الثورية في التغيير الاجتماعي، لأن لنا قناعة بأن الرأسمالية و الاستغلال و الاضطهاد و الحروب لا يمكنهم تمثيل المستقبل الأوحد للإنسانية.

20 أكتوبر 2003